بينَ كرومٍ سماويةٍ
والسّماءِ يخلدُ فِ النّعمى هذا الدّيرُ
قصرٌ من حجارةٍ
نصُلتْ كأنَّها ستبقى تحفظُ الحجارَةَ وجْهاً محضاً
قصرٌ منْ حجارَةٍ
صقَلَتْ وَجْهاً فِ الحجارةِ (صَقَلَتْ تَصقُلُ الحِجارَةَ وَجهَاً لنا..)
هنا حيثُ الرّهبانُ
يختمونَ اسْمَ اللهِ في كرومِ النّبيذِ
الرّهبانُ الذين
يُصنّعونَ نخبَ اللهِ
ديرُ اللّطرونِ منزلُ
رهبانٍ أطهارٍ وعبيدٍ فقراءَ وفندُقُ الملائِكَةِ
رهبانٌ سلاطينٌ
يأتونكَ بالنّبيذِ الثّرِّ إكراماً للهِ الطِّفلِ
عَ تقاطعِ طريقِ
«الرّملةِ» و«لُدَّ» مسيخٍ دجّالٍ ودربِ قياصرَةٍ سَتَلقى هذا الدّيرَ
كمْ عرباتٍ من «روما»
مرّتْ بهِ
كمْ منْ مُدرّعاتِ
يعقوبَ مرقتْ تمْرُقُ..
كمْ من خيولٍ كواسرَ
مرّتْ بهِ
كمْ من برابرَةٍ
حلّوا بأرضِ الدّيرِ
وما يزالُ هذا
الدّيرُ الشّاهدَ الأبدَ
ما يزالُ هذا الدّيرُ
سِدرةَ العبدِ
(يوم 19/9 تَشَكّكتُ
أنّي المؤمنُ.. فلماذا لا أبحثُ عن غارِ المُتَعَبِّدِ عن ديرٍ لي وعن مأوى
يَخلَعُ عنّي الوزرَ.. لماذا لا أكونُ من حاشيةِ اللهِ عَ بابِ اللهِ لماذا
لا تكونُ البسيطةُ كنيسَتي الصّريحةَ.. قطعةً من سماءٍ تَفترِشُ السّماءَ
كي أمُرَّ... انا طينةُ كافورِ الأرضِ.. أنا عبدٌ كباقي عبيدِ الآبِ.. أنا
رافعُ مُصحفِ الإنسانِ في يديْ طفلٍ.. جَرَسي من جناحِ الحمائمِ جَرَسي
سوفَ تقرَعُهُ الحمائمُ فِ الضّحى الملكوتِ... فخَلّني أدخلُ الرّحمةَ في
مُغتسَلِ الليلِ.. خلّني فِ السّبحانيّةِ أهْتَدي تحتَ نجمِ المُترَهِّبِ
الجالا.. أعطِني فِ الحجيمِ السّلامَ.. عليَّ السّلامُ.. خلّني إبنَ
الإنسانِ... خلّني الملاكَ الأرضيَّ يا مولى اللّطرونِ لو مرّةً خلّني
ابنكَ الذي ضلّ طويلاً فِ السبيلِ إليكَ يا مولى السبيلِ).
اليوم
دَخَلتُ أدخُلُ هذا
الدّيرَ رافعاً غُرّتي تاجَ الأسْقفِ
ثمّة أجنحةٌ للقلبِ..
مَراوِحُ ريشٍ تهِفُّ
ترانيمُ فِ الأحدِ
اليّتيمِ
أوَلَ ما تدخلُ ستلقى
صالةً من زجاجٍ ملوّنٍ وأورغاناً منْ مفاتيحِ أصبعي ومنْ خشبٍ يَضوعُ
بالصّنوْبَرِ غاباً
وأيقوناتٍ تتدلّى في
مِجرّتها ولوحاتٍ للطّفلِ الذي يُسَبِّحُ باسمِ الإنسانِ
أنتَ تسألُ: أيُّ
سقفٍ رفعناهُ السّماءَ للكنيسةِ
أيّةُ سماءٍ نرفَعُ
سَقفاً للكنيسةِ
نَدُّ مُسْكِرٌ في
مَباخرَ نحاسٍ
هلْ لي منْ مِسْحَةِ
المَرْيَمِيّةِ طيباً وماءً
هلْ لي بُكَفَيْ
مريمَ تُزهِرانِ مُصحفاً
ها إني دَخَلْتُ
أدخُلُ مُهَمهِماً بالضّلعِ الذي يَرِنُّ شوكةَ الصّلَواتِ
أيّ قُدّاسٍ يحضُرُني
حينَ دخَلتُ
أيُّ جناحٍ
يُحَوِّطُني ويدورُ بي سَمْحاً
أيَّ قدّيسٍ سأغدو..
أرَنّمُ تحتَ نَجمِ
الخَلْقِ صلاةَ الخَلْقِ
(ثمّتَ سائحةٌ
أظنُّها انجليزيّةً تُصوِّرُ أحشاءَ الدّيرِ بكاميرا هاتفها النّقّالِ..
وللسّائحِ أن يأخذ حصّتهُ فِ الدّيرِ أيضاً..)
فلسطينيّاً سيظلُّ
الزّيتونُ بَشَراً حولَ الدّيرِ اللّطرونِ
بَشَرٌ لَهُمْ خطوةُ
الزّيتون ثابِتةً حولَ الدّيرِ اللّطرونِ
فلسطينيّاً نبضُ
الحجرُ تحتَ شمسٍ تتمَلمَلُ في صلواتِ الفلسطينيِّ
وفلسطينياً سيظلُّ
الليلُ السُّخطُ
الليلُ حلَّ رَصاصاً
واللّيلُ أتى هنا بكلِّ رَصاصِ الليلِ
أحتمي بالرّحمةِ
تتنزّلُ
أحتمي بالرّحمَةِ لوْ
تتنزّلُ
حتى لو كانَ اللّيلُ
أطولَ من قِيامَتِنا ومن أنفاسِ الطّفلِ القتيلِ
سأظلُّ فِ الدّيرِ
المُتحصِّنَ أبداً
سآكلُّ خبزاً (أهْوَ
الخبزُ لحمُ القدّيسِ) ونبيذاً مَنْخوباً في راحةِ الملاكِ
أتدبّرُ أمري حينَ
يهجُمُ الليلِ
لكنّني مثلُ هذا
الدّير الواقفِ فِ المطرِ الرّصاصِ
مثل هذا الدّيرِ
المنخورِ بمطرِ الرّصاصِ
إني دخلتُ الآن هذا
الدّيرَ حاملاً عَ راحَتَيَّ جَسَدي المنخورَ في فصحِ الكبشِ
أكنتُ أبدو الكَبشَ
رافعاً إلى ربِّ
الدّيرَ هذا الجسَدَ المنخورَ (هذا الجسَدَ الطِّمْرَ القُربانَ
مُنَخّلاً..)
أيِّ جَسَدٍ دَخَلْتُ
أدخُلُ بهِ ديرَ اللّطرونِ عَ صليبٍ رصاصٍ
أجسدُ المسيحِ ألبسُ
أجسدُ المسيحِ
يَلْبَسُني السّاعَة
أجسدُ المسيحِ
سُترَتي مَنخورةً أرتديها
هلْ أمسُيتُ المسيحَ
الأخيرَ (حين أدخُلُ اللّطرونَ)
أيَّ شيعةٍ حَواريينَ
وأحباراً تغدو الطيرُ والنّحلُ وأسماكُ البحرِ الدّائخِ فِ الماءِ الذي
يَنشُدُ خطوَةَ الطّفلِ
الليلُ طويلٌ في أرضِ
فلسطينَ
الليلُ ثقيلٌ في
سماءِ فلسطينَ
أنا الحاملُ صَليبي
في السّرى وفي مَهْمَهِ السّمواتِ
سأظلُّ المُتحصِّنَ
في ديرِ اللّطرونِ
الصّامدَ والدّيرَ في
ديرِ اللّطرونِ
خُبزي قديدُ لحمِ
القدّيسِ ونّبيذي مُحْتَلَبُ عُروقِ الطيرِ
خبزي ونبيذي عشاءُ
العبْدِ
أيَّ عشاءٍ أخيرٍ
سأولِمُ يا ليلَ اللّطرونِ
الرّصاصُ هلْ يَحصيهِ
الرّصاصُ
الرّصاصُ هلْ هوَ ما
لا يَحصيهِ الرّصاصُ
الرّصاصُ اختَرَمَ
أبعدَ حتى مِن العَظمِ
واخترمَ أخرَ جُدرانِ
لَحمِ الدّيرِ
هَلّلوا يا أيها
الطّيرُ فِ الدّمِ المُختَمِرِ
هَلّلوا يا فقراءَ
أرضِ الليلِ
هَلّلوا يا رعاةً في
دروبِ الماعزِ
هَلّلوا يا أيها
القتلى الأكباشُ في الطّريقِ إلى اللهِ
هَلّلْ أيها الجسَدُ
الذي يَنْتَزِفُ نبيذاً
أيُّ نبيذٍ أسْتَسْقي
الليلةَ في دَيْرِ اللّطرونِ(*)
أيُّ نبيذٍ
سَيَكْسِرُ جرارَهُ الأجْسادَ (أيّةُ جرّةٍ تميلُ سوفَ أقِفُ مُخَزِّناً
دمي..)
أيَّ كأسٍ
سَيَرفَعُهُ اللّهُ دمي النّخبِ
أيُّ نبيذٍ سالَ
مَضَضاً أيُّها اللهُ
يا لِلنّبيذِ هذا
يا دَمَ اللهُ
(طولكرم، فلسطين)
* ديرُ
اللّطرونِ بناهُ جماعةُ الرّهبانِ الصّامتينَ عام 1890 وهم يشتهرونَ
بتصنيعِ النّبيذِ الذي يُعرَفُ بنبيذِ ديرِ اللّطرونِ.