يرفض
الشاعر قيصر عفيف الإطراء بتواضعه، ولا يدري أن تأدبه هو جزء من قيمة أدبه.
وقديما قيل " خذوا العلم ممن أدبه العلم. " خذوا الأدب ممن أدبه الأدب. خذوا
الشعر ممن أدبه الشعر.
هل
علينا أن ننتظر تكريم الشاعر والأديب دائماً حتى نعترف بقيمة نصّه؟ هل ينبغي
مثلا أن يحصل أدونيس – لا مناص – على جائزة نوبل حتى يكون نبيلا ً؟ أم أن
نُبْلَ الشعر في النص ونبلُ الشاعر وإمارته وملوكيته أولا ً وآخرا ً، في
الشعر؟
وما
معيار الشعر الجمالي؟ الشعر والشاعرية في النص الشعري أم القافية والوزن
والتفعيلة والمهرجان والصولجان؟ والشعراء
أفرقاء منهم:
الشعراء الفقراء
الشعراء الفقهاء
والشعراء الأمراء
والشعراء العظماء ( من عقدة العظمة النرجسية )
يفاجئك قيصر عفيف منذ مجموعاته الأولى " والكلمة صارت شعرا ً "
وللشعراء فقط بكتابة مختلفة تقوّمها اللغة كمرجعية أولى وأخيرة. ومارسيل
بروست يقول " الشاعر المبدع هو الغريب – عن اللغة – في لغته. واللغة، عند
هيدجر، مسكن الكينونة. والشاعر الجاد يلعب بالكلمات والحروف ويحوّلها كالساحر
في لعبة المرئي واللامرئي إلى حدائق وعصافير، نساء، وأرانب، كما يحوّل الحجر
إلى سحابة.
اللغة عند قيصر عفيف تشبه الحياة: حركة لا تستقرّ، هدم وبناء،
يقظة وذهول، بداية ونهاية، حضرة وغيبة. هي باب الوجود يدخل منه الشاعر إلى
النص في عملية الكتابة – القراءة فتصبح النصوص مرايا. والكتابة ضرب من الوعي
اللغوي بالوجود والكائنات، في علاقة الذات بالذات والموضوعات في عملية
الكتابة:
" يعيش
الشاعر في أكواخ الإئتنارات
مزنرا
بالإرتياب
والخيبة والإغتراب
يد في
النار
ويد في
الجليد "
(للشعراء فقط)
وحين ينزل النص، يحمل الشاعر أوزار التنزيل، منتظرا قرد الوقت
الرشيق. في عزلة العرزال، وزوادة الخبز والزيت ليعبر سلالم الكتابة وجسور
الكلمات.
تختبيء القصيدة خلف ألف حجاب، في ملامح المطر فوق الأرض العطشى،
في الحلم بالوردة الصعبة والتفاحة الحمراء، في همسة السماء، وزهرة الأعراس في
ألِف السؤال والتساؤل، في واحة الكلمات وصحراء الوجود، والشعر دمدمة وقنديل
مضيء، مجذاف بحّار فينيقي، احتفال واحتفاء:
"
للشعر ثوبان:
ثوب
الصمت وثوب الكلام
للشعر
عينان:
عين
الآلهة وعين الإنسان
للشعر
بحور وشطآن ".
(للشعراء فقط)
الحروف، عند الشاعر، نوافذ الكلمة، والكلمات نوافذ الوجود. تنتصب
الحروف مع الألف، وتسترخي في حضن اللام، وتستريح في تجاويف الهاء فتعطي
الكلمات أفقا ً جديدا ملوّنا بالبلاغة، مضمخا بالعطر في جدليه المقدس
والمدنّس، الصوت والصورة، القديم والجديد، الطهر والعهر فتعطي الكلمات تاريخا
مقدسا:
" نعطي
الكلمات تاريخا جديدا
نلونها بألوان مزركشة
نخدّش براءتها، ندنسها،
مَنْ يرد العهر عنها
يمحو عنا عار الكتابة؟ "
(للشعراء فقط)
تختبىء اللغة داخل ذاتها بين خرمشة الشفاه وخربشة الكتابة. يخرف
الشاعر منها، يغرق في لججها، أتكون اللغة خشبة خلاص ولجة عارمة في آن معا؟
وفي النص يختبىء الآخر فتختلط الأصوات:
" أهذا صوته أم صوتي
أم
صوت آخر
يردد الشيء ذاته من جيل إلى جيل. "
(للشعراء فقط)
الصوت والوقت والموت أقانيم لحقيقة واحدة متعددة في لعبة الكلمات
والأشياء، الوجود والعدم، ولعبة الدوائر ورقصة الكلمات وسيمفونية الحكايات.
كل إبداع فعل ناقص، لا إسم له ولا خبر ويتساءل الشاعر حين يتأمل فعل الكتابة
عن ماهية الفعل:
كيف تقرأ النص؟
كما تضاجع امرأة:
فعل حبّ
أو فعل زنى "
(للشعراء فقط)
يبحث الشاعر دائما عن فعل جديد، عن لغة تصل ولا تصل كأنها سهام
أبدية ولا يجد لغة تستوعب السر فاللغة تتدفق كالنهر وتحتجب كالسر وتنكشف
كالقدر في صراع الشكل مع المعنى. في سواد الحبر وبياض الورق وآلاء الليل
والنهار.
وفي مجموعته الأخيرة " اللغة والمدينة " ( الصادرة عن دار نلسن
عام 2004 والحائزة على جائزة سعاد الصباح ) يدخلنا الشاعر في أبجدية المكان:
الأمكنة كائنات كالبشر، لها أسماء تليق بها أو لا تليق، بعضها نبيل يشدنا
إليه وهو مساحة المعنى، وامتداد جسدي يطرز حياتنا، ويعطينا – ونعطيه – الهوية
حتى لو كنا غجرا ً نازحين. فتصير الأمكنة كلها وطنا غجريا. المكان رديف
الإنسان وشقيق الزمان التوأم فتقول " شجرة العائلة " و " أرض الطفولة " و "
مسقط الرأس" ويتداخل فعل الكتابة مع السكن فتصبح اللغة مدينة نسكنها والمدينة
لغة تكتبها:
أن تكتب في لغة
يُشبه
أن تسير في مدينة
حتام
تجوب شوارع اللغة؟
حتى
أجد الطريق.
(
اللغة والمدينة )
والمدينة عند الشاعر رحلة لا تعرف الوقوف، واللغة رحلة لا تعرف
الوصول. هل يتقاطع الشاعر مع الشارع ههنا أيضا؟ واللغة علاقة مع المدينة فهي
بوابات ترتفع بجلال وهي لغة المراكب وقناديل الليل، وسلاسل وقيد وأقفال
البيان، والقواعد والقافية. واللغة صحراء وبيدر وجدران وأسوار علية وزهور
لوتس تطلع من كلمات اللغة وزوايا المدينة.
والكلمة – الملكةأم وبيت جديد، ولغة على طرقات الآتي. وهواء
المدينة داء ودواء يشفي الذين سممتهم السياسة وخنقتهم الأفكار القديمة على
مقاهي الأرصفة وأرصفة الرتابة والسأم. وفي زوايا المدينة يختلط الشرق بالغرب
كأن لا جهات وتتقلّب الفصول والنفوس، وتعربش الخيانة على الجدران.
ويمر التاريخ بمدينة الشاعر في ظلال النخيل وسطور الكتب، ولها
حكاية لم تبدأ ولم تنتهِ، وخيوط عنكبوت تسدّ المكان دفاعاً عن الأنبياء
والشعراء. رغم انكسار المرايا والأحلام يبني الشاعر قصره المنيف بأحجار
اللغة:
كلّ
هذه المرايا المكسورة
لكننا
نرى وجوهنا فيها
كلّ
هذه الأماكن مهجورة
لكننا
نسكنها وتسكننا
كلّ
هذه الأماكن الأحلام حجارة
لكننا
نبني بها قصورا ً
(
اللغة والمدينة )
في وقفة أمام كتب الشعراء والأدباء والعلماء يتساءَل المرء:
أيهما أجمل وأخلد وأكمل؟ سكنى القصور أم سكن الكتاب؟ أليس كتاب الكاتب أو
الشاعر هو قصره المنيف. حُلّت عقدة جلجامش دون تكبد وعناء في البحث عن عشبة
الخلود. فالخلود في الكتابة، وهي الحياة الأخرى، والجنة الموعودة فيما يتعدى
الوعد والوعيد.