هل انتهى دور الشاعر؟
هل بالفعل كان يطلع
بأدوار طلائعية؟
ما هي الأسباب
الكامنة وراء انتهاء دوره أو تراجعه؟
إن فهم موقع الشاعر
اليوم لا يتأتى إلا إذا استعدنا لحظات الازدهار التي عاشتها القصيدة
العربية، وذلك بهدف فهم مدى حضور الشعر في كل مرحلة.
وصلتنا القصيدة
العربية القديمة في ارقى صورها، فيما يعرف بالمعلقات والمذهبات والمطرزات،
وغيرها من التمثلات الشعرية الناضجة التي تترجم عمق مخيلة الشاعر، تلك
المخيلة التي ضرب بها بعيداً نحو تخوم عذراء، استرفد منها مادته فنبغ وبرع،
وأسس لنفسه كياناً أشرك فيه الجميع بمن فيهم خصومه، وخصوم القبيلة.
كانت قصيدة الشاعر
بمثابة مولود تنتظره القبيلة، وتعمل حال ولادته على تدويله بين القبائل
والأمصار، وإقامة الاحتفالات في طقوس مقدسة تحتفي بالكلمة وصاحبها. صارت
القصيدة لسان حال صغير القبيلة وكبيرها، تتغنى بها النساء وهن في طريقهن
إلى الغدير، ويطرب بها الفرسان أثناء ارتيادهم للصحارى والبراري المتوحشة.
هنا لم يكن الشاعر
يخدم الإبداع فقط، وإنما القبيلة ومجتمعها. لهذا السبب سُمّي الشعر ديوان
العرب، فيه توضع الأمجاد، وتخلد الآثار. الشاعر لسان قبيلته، وبهذا وُضع في
قلب الحدث غير بعيد عن المنظومة السياسية والاجتماعية والثقافية. لهذا
الوضع الذي يصل إلى درجة التأليه والتقديس، له مبررات أخرى تتقاطع مع ما
سبق، وإذا تجاوزنا دوره الحضاري في بناء ثقافة المجتمع الذي عاش فيه، فإن
الذوق العربي الذي عاصر القصيدة المقدسة، هو ذوق شعري، لم يكن ليسمح لأي
نزعة جمالية تخرج عن مدار ما هو موروث أن تناوش ذوقه، أو تضيق الخناق على
جماهيريته، لهذا تم إعدام النزعات السردية إلا فيما احتاجته القبيلة وبعدها
المدينة كالرسالة والخطبة.
في هذا المناخ القبلي
برزت سلطة الشاعر التي تعلو أحياناً سلطة الكاهن، وحينما جاء الإسلام احترم
هذه السلطة وخفف من قوتها عبر تكييفها مع تعاليمه وتصوره للمدينة والمجتمع
الجديدين. لكن الشاعر سرعان ما ارتد عن كل ما يمكنه أن يخلخل دوره الحضاري،
فارتد، وعاد إلى سالف عصره في صورة حضارية متأثراً بالإنجازات الجديدة التي
حصلت في العصور التي تلت مرحلة الخلافة، لتنطفئ بعد ذلك شعلة الشعر، وتدخل
في أزمنة ضبابية، تراجعت فيه قدرة الشاعر عن تلبية حاجات مجتمعه الجمالية
والثقافية، ودخلت السلطة السياسية في متاهات خرجت منها غائمة الفكر
والرؤيا.
حينما نهض الشاعر من
سباته فتح عينيه على الكوارث، على الاستعمار، وتوالت النكبات. ركب موجة ما
هو قومي، وما هو طائفي، وما هو حزبي وكل ريح عابرة. وحده صوت الألم ظل
يسبح. سلطة الشاعر تتراجع، جو القبيلة لم يعد كما كان، تشتت الأذواق
العربية وتوزعت على أجناس جديدة كالرواية والقصة والمسرح والسينما، بل
توزعت على أجناس جديدة كالرواية والقصة والمسرح والسينما، بل توزعت على
أنواع شعرية منها ما ظل متشبثاً بالنظام العمودي، ينظم في ظله، ويحلم
بالعودة إلى ما مضى، ومنها ما جرب نظام التفعيلة وارتاح له وربط تجربته به،
ومنها ما أعلن ثورة كلية ضارباً بعرض الحائط كل ما أنتجه شعراء البارحة،
متطلعاً إلى قصيدة متحررة تسكنه ويريد إخراجها وهي قصيدة النثر. بدأت
الاختلالات تصيب الشعر من داخل جمهوره، لم تعد هنالك قصيدة تتوحد حولها
الأذواق، وإنما كيانات غير ديمقراطية، تفكر دائماً في إقصاء حساسية وتثبيت
أخرى.
إن النقلة النوعية
التي يعرفها العالم العربي حجّمت رسالة الشاعر، ودفعته إلى الاهتمام
بوسائله التعبيرية دون الخوض فيما هو شمولي، وحينما اقترب من هذه التحولات
الاجتماعية تعرض للعنف وقدم قرباناً للحاكم العربي كي يشرب دمه، بتهمة
بسيطة أن لا مكان للشعر في المدينة الجديدة سوى في هامشها، ولا يعلم أن هذا
الدم مسكون بثورة مؤجلة، قد تدفع الشاعر إلى الانتفاض في أي لحظة. لكنها
لحظة تبقى دائماً مؤجلة كحال الثورة التي يبحث عنها وتبحث عنه.
لا أحد ينكر دور
الثورة الالكترونية في تكسير الحواجز بين المجتمعات، ولا أحد ينكر أن هذه
الثورة ميعت الشعر، حتى أصبح بعض الشعراء يرفعون شعار «في كل نقرة قصيدة»،
وبعد ذلك نستغرب حينما نسمع بعض الأصوات التي ما زالت في بدايتها تندد بعدم
مواكبة النقد للتجربة الرقمية، ربما هو السبب الذي جعل بقايا الشعراء من
جيل الستينات والسبعينات يتحرجون في ركوب موجة ما هو رقمي، مخافة أن
يتحولوا إلى شعراء يستخفون بقرائهم.
إن دور الشاعر لم
ينته، إنما بالأحرى تراجع. تراجع، لأنه لم يعد القناة الوحيدة التي يفرغ
فيها المبدع تصوره للعالم وللذات، تنوع القنوات حول ثقافة الصوت المفرد إلى
الصوت المتعدد، في التعدد تموت أنواع وتحيا أنواع أخرى، كل ذلك مرتبط بجو
المدينة واحتياجات المتلقي الجمالية، وفي نفس الوقت طريقة اختزال المبدع
للكون وهواجس الذات. كل هذا جعل سلطة الشعر تتراجع، فاسحة المجال لصوت
الإبداع المطلق.
(المغرب)