التجاني بولعوالي

 

تأملات في التجربة الشعرية المغربية المعاصرة

 

 

1ـ من أيدويولوجيا التصنيف إلى القصيدة الراهنة نسبية مسألة التجييل.

 

          منذُ آونةٍ ليست بالقصيرة، ونحن نفكر في أن ندلي بتصورنا حول ما تتناقله إلينا الصحفُ والمنابرُ من قصائدَ ومحاولاتٍ شعريةٍ، لكن كلما عزمنا على ممارسةِ هذا الفعل، وانتابنا نوعٌ من العجزِ في التناول، رغم توارد الفكر، وتشعب القول بصدد الإنتاج الواحد إلى تفسيرات فرعية تفشل في ضبطِ مسارها العام، أو القبض على الصيغة المضمرة التي تحكم مجموع العناصر التي تكونه، وخاصية التلوّن هذه التي تميّز القصيدةَ الراهنةَ، ربما يكمنُ مرجعُها في طبيعةِ شعرائها، الذين يطمحون إلى أن تكونَ كتابتهم مشربة بآخر ما توصل إليه النقد، ولو على حساب الشعر الذي يأبى دوماً أن يكونَ زيّاً أو موضة..

 

          جرت العادةُ في الدراساتِ النقدية والتنظيرية، التي تتعلقُ بالشعر العربي الحديث والمعاصر عموماً، والشعر المغربي بخاصة، أن يعمدَ الباحثون إلى تداولِ خطةٍ تقسيميةٍ/تجزيئية شائعة، وهي موضعة كل شاعر في العقد الذي نشأ فيه، فتقول/ أن هذا شاعرٌ ستيني وذلك سبعيني وهكذا، وتشتيتُ القصيدةِ المغربية إلى قصائدَ متعددة، كل واحدةٍ تموقع في عشرين معينة... وهذه لعمري استراتيجية تبسيطية ذات منزع أكاديمي بحت، تنطوي على أكثر من غموضٍ وإبهامٍ من حيث التناول، إذ كيف يتسنى لنا أن ننصبَ هذه الأسلاكَ بين القصيدةِ الواحدةِ، رغم أنها تنفرُ من أن تتجزّأَ، وأن الخيطَ المستترِ الذي يوفّق بين أركانها يستعصي عن أن يتلاشى، بل يظلّ قائماً يقرن بين الخاصياتِ العامةِ والمجرّدةِ التي تتجاوزُ التصنيف، لتكشفَ عن حضورها الممتدِّ في القصيدةِ المغربية ككلٍّ متماسكٍ، لا ككلٍّ مجزّأ..؟ وكيف يحلو لنا أن نلصقَ الشاعرَ بمرحلةٍ ما، ونحن ندري أن إبداعَه يتوزّعه أكثر من عقد، ومن ثمّ فما يكتبه واحد، تتجاذبه قواسم تظلُّ ساريةً ما تقادمت الايامُ؟

          إن انتهاءَ أيّ عصرٍ أو عقدٍ لا يمكنُ اعتباره شارة وقوف، يتلوهُ انطلاق جديد، إن القصيدةَ ككثبان الصحراء أو أمواج البحر، تمتدُّ في نوعٍ من الإنتشارِ الموسومِ بالتماثيلِ على مستوى المكان، وتحفلُ آلياتها بالجودةِ والتمكّن الذي ينبئُ بالإستمرارِ على مستوى الزمات، والقصيدةُ المغربيةُ في ضوءِ هذه النظرةِ واحدة ومتوحدة، اللهم إلا بعض الإستثناءات الطارئة التي لا تشكّلُ كنه شعريتها وجمالها، فالتصنيفُ المنصبُّ على متنها، والذي قد يسقطُ الباحثُ في أخطاءٍ تودي برونقِ النصِّ وبهائهِ، يحقُّ لنا اعتباره مساهمةً أوليةً وإجرائيةً مبتغاها التيسير والتوضيح ليس إلا.

 

          وفي هذا دعوة صريحة إلى أن هذه النمطية المعهودة التي يراد بها التنسيق، لا تغني في شيءٍ غير صوغ ذهنياتٍ مجبولةٍ على الحفظِ والتكرارِ، فالمتنبي بغضِّ النظرِ عن الحقبةِ الزمنية التي عاش فيها، يتخطّى كلَّ التواريخِ وكلِّ البقاعِ، ليشكّلَ في عقولِ المتلقين نموذجاً إنسانياً حيوياً يتأبى التأطير والتصنيف.

 

          بناءً على هذا التفسير، إن رؤيتنا بخصوص هذه القصيدة تتوخى مراجعة هذا الجانب من نقدنا، الذي تصاعد استفحاله في السنوات الأخيرةِ، حتى أن ثلة من المهتمين صار همّهم كلما أعلن عقدٌ جديدٌ استهلاله، هو الدعوة إلى بلورةِ قصيدةٍ جديدةٍ، ثمانينيةٍ أو تسعينيةٍ أو..! رغمَ أن قسماتها العامة لم تتّضحْ بعد للعيانِ، لأمرٍ كهذا نقول: دعوا مثل التناول للدراسات الأكاديمية، والنظريات الجاهزة التي ترومُ إقناع المتلقي أكثر مما تبغي خدمة النص، حقاً إن إسقاطَها مما لا يسوغه أحدٌ، نظراً إلى قيمتها التاريخية وسبقها الزمني، غير أن استمرارها يزيد من تعميق الفجوة بين مشكلات المتن الشعري المغربي في عمومه، فنصبح في كل قرنٍ أمام قصائدَ متعددةٍ تنتظمُ عقوده بشكلٍ تسلسلي، والأنكى من ذلك أن الشاعرَ الذي كان يُنعتُ بأنه ستينيّ أضحى سبعينيّ أو ثمانينيّ، فما هي الصفة التي يجب الأخذ بها، هل الأولى أم الأخيرة أم الوسطى، رغم أنه كتب في كل هذه المراحل، وأن قصيدته تتقنع بلبوس هذه العقود كلها...!

          ومن هنا كانت تسمية شعر الشباب أو مسألة (التجييل) يعوزها الوضوح والصواب، فالذي كان شاباً أو سبعينياً عند نجيب العوفي في كتابه (مدخل إلى دراسة شعر الشباب) صار اليوم كهلاً أو قضى، مما يورط الباحث في العديدِ من المفارقات اللا مبررة، وإنْ هو درى كيف يتملّص من تشابكها وتداخلها، نشأت في ذهنه أكثر من علامة استفهام، وأكثر من استغلاق، لا ينفرجُ إلا إذا ما ابتدرنا إلى تجاوزِ تلكَ المصطلحاتِ (المفبركة) واشتغلنا على صورٍ مشحونةٍ بالإيحاءِ، وأيقاعٍ مفعمٍ بشتى التقابلات الصوتية، والتشاكلات الفونولوجية، التي تتضافر لإشباعِ دلالةِ النصِّ، وشكلٍ يوائمُ غرضَ المبدعِ ومقصوده وهكذا دواليك.

 

مصطلح القصيدة الراهنة باعتباره بديلاً

 

          بناءً على هذا، يتأكد أن إطلاقَ أيّ مصطلحٍ بإسلوبٍ خلوٍ من الوعيِ والرزانة، من شأنه أن يصعدَ من مفعولية اللبس والمواربة، وأن يوقعنا في مآزق التراكمية الجوفاء، التي لا تضيف شيئاً إلى موروثنا، غير الكم الذي لا طائل من ورائه، وفي نفس الآن نحاول تلافي تلك التصنيفات التي تسطر جدولاً رباعيّاً أو خماسيّاً، وتؤطر الشعراء في مجموعاتٍ معينةٍ، تضعها حسب خانات العقود وكذا المناطق، كما يفعل المؤطرون الرياضيون في تقسيمهم للفرقِ حسب النواحي والدرجات... ولا نذكرُ شيئاً عن العقودِ، إلا من وجهة الإشارة إلى الفترةِ التي كان فيها المبدع، أو ربط الإنتاج الأدبي بواقعةٍ سواء الثقافي أو السياسي أو السوسيولوجي أو غير ذلك، ومن ثمّ نقترح أن نطلقَ على ما يكتب حالياً من الشعر "القصيدة الراهنة"، أما فيما يتعلقُ بنوعيتها أو انتمائها، فهذا يدركُ بمجرد التعرّفِ على إسمِ ناظمها، وإنْ كان مغموراً فيستكنه من أسلوبِ أدائها، ومستواها التعبيري والجمالي.. وبهذه الطريقة نفلحُ في خلقِ شعراءَ ينزاحون عن أي تحديد مراده تسييج تجاربهم الإبداعية ويكتبون أدباُ يتعدى كلَّ ما من شأنهِ أن ينمطَ أو يؤدلج، ليتريّثَ عند كلِّ قارئ بغيته أن يغرفَ من معين الإبداع، وأن ينفعلَ بشعورِ ذويه، وينخطفَ وجدانه لإيحاءاتهم الروحية.

          صفوة القول، بهذه المحاولة التصويبية، نتوخى أن نكونَ نجحنا ولو مبدئياً في التحوّلِ من ايديولوجيا التصنيفِ إلى نطاقِ آخر، يسالمُ القصيدةَ ولا ينازعها، يمنح الطلاقة اللازمة لخلقِ جوٍّ ملؤهُ العفوية واللين، حتى ينشأ شعرُنا الراهن طبيعيّاً، وقد استوفى أوان نضجه، ولا يكون الشاعرُ  ـ كما هو جارـ كالذي يتربّصُ ما يمليه أربابُ النقدِ والمُنظِّرون، فيكتبُ تحت إنارتهم الباهتةِ، ويخضعُ مكتوبه لمبضعهم الأعمى .. لذلك فإنَّ ما يتحتّمُ إدراكه هو أنَّ الشعرَ مبتدأ ومنتهى، وبصيغةٍ أوضحٍ، في البدءِ يكونُ الشعرُ، ثمّ يأتي الإنسانُ بذوقهِ أو نقده، فيقرأه وبعد ذلك يصدرُ حكمَهُ، ويدلي بوجهةِ نظرِه، فإنْ كان الشعرُ غثّاً سقط، وإنْ كان جيداً ترقّى ليكونَ المنتهى إليه!

 

2ـ في الطريقِ نحو نصٍّ طموحٍ

قصيدة التسعينات، دعوة قبل الأوان!

 

          تجدرُ الإشارة إلى أنّ ثمّةَ زمرةٍ من الدعاة الذين بدأوا مؤخّراً يؤكدون أنه آن زمن الإعلانِ عن (قصيدة التسعينات)، على غرار ما صنعه سابقوهم، حتى صار هذا الصنيعُ تقليداً يعقبُ أختتام كل عشرية، أو مرسوماً شكليّاً يحتّمُ على كلِّ ناشئٍ أن يأخذَ به أو ببنوده المتوارثةِ، لعلّهُ يحوزُ مقعداً يخوّلُ له المضي وفقَ ايقاعِ هذا الركب أو ذاك... ونحن بدورنا لسنا ضدَّ مثل هذه الدعوةِ، ولا كان من عادتنا أن نجعلَ من طرحنا حجر عثرةٍ في وجهِ أيِّ حسّاسيّةٍ شعريّةٍ أو صيرورةٍ إبداعيّةٍ، فما جرى من تحرّكٍ أو تململٍ في الحقلِ الأدبيِّ، وما يتبلور من مفاهيم ورؤى على هامشِ العمليةِ الشعريةِ، وما يقترحُ من دعاوى وآراءٍ بصددِ القصيدةِ الراهنةِ، كله يهم تجربتنا باعتبارها تصبُّ في خضمِّ هذه القضايا، وكله يشغلُ قسطاً وافراً من نظرتنا وتناولنا، على أنَّ ما نصدرُه من أحكامٍ وأفكارٍ، إنّما يتكوّنُ من جرّاءِ انصقالهِ بمنتوجنا الشعريِّ المتواتر، وبما يتبعه من ممارساتٍ نقديّةٍ أو تفسيريّةٍ.

 

          إنَّ محاولةَ تبنّي أيّ مشروعٍ أو مولودٍ، هو بمثابة فعلِ جللٍ يقتضي منا إلماماً شموليّاً يوازي طموحاتنا، ويتطلّبُ معرفةً مسبقةً وأسلوباً واعياً، قمينين بأن يمكننا من معالجةٍ وافيةٍ لأحوالِ قصيدتِنا، وإشكالياتها المتباينة، من هنا فالمناداةُ بإقرارِ قصيدةِ التسعينات، والكلام على الملامحِ الموضوعيةِ والجماليةِ التي يجبُ أن يتغيّاها المبدعون في مصوغاتهم الشعريةالمستقبلية، كله حديثٌ سابقٌ لأوانه، لأنَّ هذا المخلوقَ الذي هو متناول نقاشنا، لم تتمّ بعد ولادته النهائيةِ، وأنَّ شكلَه الطبيعيَّ لم يبلغْ درجةَ تمّه، وبالأحرى الشروع في الإعترافِ أو الإلتفاف حول ثوابتٍ متوهمةٍ هي ميزات مفتعلة لنصٍّ في عدادِ التمني والإحتمالِ!

 

          هذا إنْ عبّرَ عن شيءٍ، فإنه يعبّرُ عن أنّ مثل هذا الفعل/الإعلان ينطوي على أكثرِ من زللٍ ومغالطةٍ، مترتّبة سواء عن ظاهرةِ التسرّع التي تطبعُ هذا الخطاب، أو عن ذلك الإستباقِ اللامبرّر إلى تأكيدِ شيءٍ هو في الكمونِ، شيءٌ لم يوجدْ بعدُ برمّتهِ، أو عن فهمٍ مغلوطٍ لقضايا شعرنا التي تقتضي طريقةَ ملؤها المتابعة والتعقل والبحث ونحو ذلك.

 

          إننا بهذا لا نضربُ صفحاً عن تلك المحاولات النادرة، التي تتعرض لتجاربنا بالدرس والتفسير، ما دامت تؤلفُ الحيثية الإيجابية في عمليتنا النقدية، بقدر ما ندعو إلى تركِ الحديثِ عن قصيدةِ التسعينات، ومجاوزة أيِّ ممارسةٍ تعقيدية لصيغتها المنشودة، وفي ذات الوقتِ ترك القصيدةِ الراهنةِ تنشأُ في عفويةٍ تامّةٍ، وتولد بشكلٍ تلقائيٍّ، كما تطلعُ النبتةُ من باطن الثرى، وتينعُ الثمرةُ من غصنِ الشجرة، ويتدفّقُ الماءُ من شقوقِ النبعِ... وبعدها تكون لنا كلُّ الشرعيةِ في التنطير لقصيدةٍ ناضجةٍ، متمكّنةٍ من آلياتها الإجرائيةِ، واعية بما شحنت به من مضامين وتيمات.

 

ملابساتٍ حول القصيدةِ الراهنةِ

 

          انطلاقاً من استشرافنا المتواصلِ لما تطالعنا به مواهبُ الشعراءِ الجددِ، واستناداً إلى ما تبدرُ به حاستنا الذوقيةَ والتمييزيةَ، أدركنا أنّهُ ثمّةَ العديد من الملابسات التي تعتري القصيدة الراهنة، باعتبارها شوائبَ تشوّهُ معالمَها العظمى، وهذا ربما وليد تلك الإسهامات التقويمية التي تنشدُ رسمَ خريطةٍ ممنهجةٍ مسبقاً، تكون بمثابةِ مواطئ أو فضاء مهيّأ باتقانٍ مخبري لاستنباتِ نصٍّ وفقَ شروطٍ مسطرة!

 

          1ـ إنّ أوّلَ ما لا يعيره المنشغلون بهذا الموضوعِ انتباهاً كافياً، هو ذلك الإختلافِ المسترعي للنظرِ، والذي يسودُ رؤى وتصوراتِ هؤلاء الشعراء، حتى أنه في بعض الأحيانِ يتمظهرُ كما لو أنه القانون المهيمن على مشكلات المتنِ الشعريِّ الجديد، إننا لسنا أمام قصيدةٍ واحدةٍ أو قصيدتين نطيق على تحديد مواصفاتهما المجردة، بقدر ما نحن إزاءَ ديوانٍ فضفاضٍ تتباينُ ألوانُه وأطيافُه الشعرية، وتتمايزُ أدواتُ التجسيدِ والتجويدِ فيه، وتختلفُ المذهبيات والمشارب التي يمنحُ منها الشعراءُ أفكارهم ومعانيهم... وهنا أتوجّهُ بالتساؤلِ إلى الذين يريدون لقصيدةِ التسعينات أن تنزلَ منزلةً مغايرةً فتكون نثرية، هل يحقُّ لنا اعتبار كل ما تطالعنا به صفحاتُ الجرائدِ من كتاباتٍ مرصوفةٍ ومنسقةٍ على طريقةِ القصيدةِ التفعيلية شعراً؟! ومن ثمَّ فهو الدليلُ القاطعُ على أنَّ الشكلَ الطاغي حالياً في سوقِ الشعرِ هو المنثور، أم أنّ هناك معياراً آخر أفلحَ في أن يثبتَ معقولية ومصداقية المقولة المشار إليها أعلاه، وإن كان الأمرُ كذلك، فما هو المفعولُ بالأنواعِ الشعريةِ الأخرى (التقليديةِ، التفعيليةِ، الممزوجةِ وغير ذلك)، هل سوف نُخضِعُها لمبضعِ التصنيفِ حتى تُتاحُ لنا قانونياً العودة بها إلى عقدٍ سالفٍ؟! أم نصرفُ عنها الطرف ريثما يأتي وقتُ تناولها، فتكون المغامرةُ أقسى مما يتصوّرُ الوعيُ الإنسانيُّ، لأنَّ فئةَ المهتمين قالت بأحاديةِ العمليةِ الشعريةِ، على غرارِ القطبيةِ السياسيةِ (أو نظامِ الحزبِ الوحيدِ) كما عند العديدِ من الشعوبِ الثالثية؟!

 

          إنَّ الإختلافَ أمرٌ ضروريٌّ وطبيعيٌّ، والتنوّعُ في الممارساتِ الإنسانيةِ مبدأٌ صحّيٌّ يسمحُ بالتفاعلِ والتحاورِ والتمازجِ، من هنا كان تمايزُ أدواتِ التعبيرِ وتجلياتها في قصيدتنا إغناء لها في كلِّ شيءٍ، على أن الشعرَ واحدٌ، وإن تباينت الأشكالُ التي يقولبُ فيها، لا يهمّ إن كان عموديّاً أو تفعيليّاً أو نثريّاً، وإنما الأهم أن يكون شعراً لا أقلّ ولا أكثر. أما فيما يخصُّ ذلك التنازع القائم بين دعاةِ هذه القصيدةِ أو تلك، فهو مثارُ سوءِ فهمٍ لماهيةِ الشعرِ وطبيعتهِ الزئبقيةِ المأخوذةِ بنزوةِ الإنزياحِ والتلوّن.

 

          2ـ أما المسألةُ الأخرى التي يجدرُ التريّثَ عندها ولو مؤقتاً، فهي الكيفية التي يكون بها التنظير لنصٍّ طموحٍ مؤهل لنمذجةِ هذه المرحلة، فالسائدُ حسب ما استجليناه من بعض الآراءِ والطروحِ، أن ثمّةَ تياراً يرى أنّه من اللازمِ الإحتكاك بجملةٍ من المفاهيمِ النظريّةِ، والتوجيهاتِ النقديةِ، للتمكّن من صوغِ كتابةٍ متقبلة، ومن هنا كان زيغُ أصحابه يتأكدُ في تلك النظرةِ الإسقاطيةِ التي تشيءُ ملكةُ الشاعرِ وتجربته، وتجعله يكتبُ في ضوءِ نظريةِ نقديّةٍ معينة، أو ارتكازاً إلى مرجعيةٍ فنيةٍ محددة، ويغفلُ أن هذه الممارسة العملية توأد موهبته وتعقل تجربته الشعورية، حيث الكلام على تنظير القصيدة الراهنة ـ فيما نرى ـ لا يكون إلا من داخلِ هذه القصيدةِ لا من خارجها، والشاعرُ يتعين عليه أن يظلَّ مدركاً للجانبِ التفاعليِّ والكيمائيِّ في النصِّ، أكثر من غيره، لأنَّ مصيرَ القصيدةِ معلّقٌ في عنقهِ، لذلك لا ينبغي له أن ينتظرَ من الناقدِ أو الباحثِ أن يتلوَ عليه إرشاداته، أو يرسمَ له الدربَ الذي يجبُ له أن يسلكَهُ قصدَ الوصولِ إلى الصيغةِ المرضيةِ لشعرِهِ، إنَّ النقدَ لا يأتي إلا بعد ولادةِ القصيدةِ، ليفسّرَ ما يفسّرْ، ويقومَ ما يقومْ، أما قُبيْل الولادةِ، يتوجّبُ أن تحضرَ الذاتُ والإلهامُ والموهبةُ وأمورٌ أخرى، لا تتمرأى إلا في مخيلة المبدعِ.

 

3ـ يضافُ إلى هذين الأمرين قضية أخرى، وهي في جوهرها مصيرية بالنسبة إلى الشعرِ العربيِّ عموماً، بوصفها تخلقُ في ذهن القارئِ جدلاً ساخناً يستهدفُ جماليةً إباديةً لكلِّ ما تنبعثُ منه نكهةً يمازجها ما هو (ماضوي) أو تقليدي، فتحطّمُ العروضَ المعهود، وتفرغُ الرموزَ التاريخيةَ من دلالتها الإصلاحيةِ، وتضعُ شروخاً بين المكوّناتِ النصيّةِ. بل والأفظعُ من هذا، تعمدُ إلى مقابلةِ قصيدة الوزنِ بقصيدةِ النثر،ولا تتوقّفُ عند ظاهرِ هذه المقابلةِ وإنما تسحنها بشتى أصنافِ التضادِ والصراعِ الذي لا يجدي إلا في إحداثِ المعوّقات بين أعضاء القصيدةِ الواحدةِ، والشيءُ الذي يثيرُ السخرية والهزء إنها تنتصرُ للمنثور، وتعلي من شأنه على حسابِ الموزون، لأنَّ ما هو نثريٌّ عندها من الشعرِ يمنحُ المبدعَ إمكاناتِ تفجيرِ طاقاته الباطنيةِ، بأسلوبٍ متحرّرٍ من أصفادِ التراثِ الذي تآكلَ من صدأِ السنين، كأن أمرأَ القيسِ وأبا العلاءِ والسيابَ ونازكَ الملائكةِ وأملَ دنقل وعبدَ اللهِ راجع وغيرهم، كتبوا أشعارَهم الراقيةَ، وهم معتقلون في سجنِ التراثِ، أو أنَّ بحورَ الخليل كانت معقودةٌ على وجداناتهم، لا تسمحُ لأحاسيسهم بالطغو والإنبلاج!

 

الإختلافُ باعتبارهِ إغناء لا إلغاء

 

          إنَّ ما نسعى إلى إثباته إذن، هو أنّ القصيدةَ الراهنةَ مثلها مثل ذلك الجسد، الذي تختلفُ أعضاؤه ومشكلاته وتتعدّد، بل وتتكتّل حول هدفٍ مشتركٍ، وإن تباينت طرقُ أدائه، وهو خدمة هذا الجسد وإعطاؤه إمكانيةَ الحياةِ والإستمراريّةِ، وأيضاً فإنّ القصيدةَ رغم اختلافِ أشكالها الظاهريةِ والقوالب التي تحمل فيها معانيها، فإنها في كنهها تختزلُ سائرَ تلك التمظهرات الخارجية في طابعٍ واحدٍ، والجدير بالذكرِ في هذا الصددِ، أن أيَّ استخفافٍ يمسُّ جانباً منها هو تهديدٌ للجوانب الأخرى، أو تهديدٌ للقصيدةِ في كلّيتها، وأيّ استعلاء لا يسري على مجملِ مكوّناتِ هذا الكيان، يجعلها تنمو في لا توازن، فيكون لها أنفٌ ضخمٌ وجسمٌ ضئيلٌ! (على حدِّ تعبيرِ نتشيه في موضعٍ آخر)، إنَّ ظاهرتي الإستخفافِ والإستعلاءِ في منظورنا لا تترتبان إلا عن الخبرةِ الأدائية للشاعر، التي تكون إما جيدة أو رديئة، أما أن نعمدَ إلى نسجِ الأحكامِ وإطلاقها هكذا بدافعٍ عاطفيٍّ، وبدونِ أيِّ تضلّعٍ ومدارسةٍ وموضوعيةٍ، فإنّ لا محالةَ سوف يؤدّي بمشروعنا / بنصنا الطموحِ، ويجعل من قصيدتنا الراهنةِ جسداً مبتوراً وغير متوازن.

 

          إنَّ أكثرَ الناسِ ميولاً إلى إقرار تلك المقابلةِ السلبيةِ التي سبقَ ذكرَها، ما فقهوا بعد ماهية الشعرِ وجوهرِه، وإنْ كان أغلبُهم أشدّ انسياقاً إلى بعضِ آراءِ أدونيس بخصوصِ هذه المسألةِ، وبالضبطِ ذلك  الجانب الذي يستحثُّ على مداهمةِ النثرِ ومحاولةِ شعرنته، فإننا نجزمُ أنهم لم يستوعبوا مشروعَه الشعريَ والفكريّ، والذي لم يتبلورْ فجأة، وإنما عبرَ مراحلَ طويلة وشاقة. إنَّ دعوةَ أدونيس هذه، إلى إنشاءِ كيان آخر إطارِ القصيدةِ العربيةِ، يكون عنصراً إغنائياً لشعريته، وبعداً تعبيريّاً جديداً، نابعاً من رؤيتهِ المتجددةِ إلى درجةِ الوقوعِ في التناقضِ أحياناً، ومن ثمَّ فإنَّ تفسيراته، تبدو أكثرَ تشاجراً وتغييراً واستعصاءً، ربما بسببِ ظاهرتي الثباتِ والتحوّلِ اللتين تحكمان مرجعيته الفكرية العامة. وحتى لا نذهبُ بعيداً، فلنتأمّل هذه المزاوجة الإيجابية التي يعقدُها بين قصيدةِ الوزنِ وقصيدةِ النثرِ، والتي تحملُ في طيّاتها أكثرُ من توضيحٍ وتصويبٍ لنظرة ذوي المنزع القطبي، يقولُ: نحنُ أكّدنا على قصيدةِ النثرِ لا بوصفها تحلُّ محلَّ قصيدةِ الوزنِ، ولا بوصفها أكثر تقدماً منها، وإنما بوصفها إمكاناً آخر للتعبير شعرياً وبوصفها إغناءً للشعريةِ العربية، وإضافةً لأساليب التعبير. (من حوار أجرته إذاعة طنجة مع أدونيس).

 

 

          الصراعُ المختلفُ بين قصيدةِ الوزنِ والنثرِ

 

          وترتبطُ بهذه القضيةِ مساءلةٌ هامةٌ، كثيراً ما خطرتْ بذهننا، نحسبُ من الأهميةِ بمكانِ التطرّقِ إليها ومحاولةِ فكِّ عُراها، هل قصيدةُ الوزنِ هي الإرهاص النوعيّ الذي ارتكزت عليه قصيدةُ النثرِ في تكوّنها ومن ثمّ في استفحالها، أم أنّ ما شهدته الكتابة الشعرية من تطورات، شكّلَ حافزاً بفعله ظهر هذا النوعُ المستحدثُ، أم العكس، أي أنّ نشوءَ ما يُطْلقُ عليه بقصيدةِ النثرِ لا يتعلّقُ بالتحوّلِ العام، الذي حصلَ في المنظومةِ الشعرية بقدرِ ما يخضعُ لمؤثراتٍ خارجيةٍ أملاها الظرفُ أو راهن الشعرية؟

 

          من خلالِ هذا، نلمسُ أنَّ الأمورَ تنزعُ منزعاً إشكالياً، فلا يمكنُ تفكيك عراها إلا بشقّ الأنفسِ، وذلك بضبطِ الإستفهامِ حتى لا يتشعّب سواء من حيث ماهية التسميةِ ومدى ثابتيتها أو تحوّلها، أو من حيثُ نوعية العلاقةِ الكائنةِ بين قصيدةِ الوزنِ وقصيدةِ النثر، فهذا الإصلاحُ الأخيرُ ـ الذي اضطررنا إليه ـ يبقى ملتبساً، رغم أنه إنجازٌ أدبيٌّ ناجحٌ.. لأننا نوفق فيه بين متناقضين فالقصيدةُ فيما نعهده تحيل على مبنى شعريٍّ معينٍ (عددٌ من الأبيات تنتهي بالقوافي) مما يحدثُ نوعاً من اللاتناسقِ حين تأويلِ ذلك، فوجودُ عبارةِ (قصيدة نثرية) ـ على حدِّ تعبير جان كوهن ـ التي أصبحت شائعة الإستعمال، يسلب كلمةَ قصيدةٍ في الواقعِ ذلك التجديد التام الوضوح الذي كان لها.

 

          هكذا نجدُ أنفسَنا أمام فهمين، أحدُهما يذهب إلى اعتبارِ هذه الكتابة نتاجاً حتميّا أو شرعيّاً لقصيدةِ الوزنِ، هذا لدى من سبقَ لهم أن احتكوا بما هو وزني أو تقليدي وخبروه، بل وأبدعوا فيه لأنهم استفادوا من هذا المكون، فطوّروه إلى احتمالٍ آخر.. وعلينا في هذا الموضعِ، أن ندركَ ما أدركَه أدونيس الذي أكّدَ على قصيدةِ النثرِ لا بوصفها تحلُّ محلَّ قصيدةِ الوزنِ، ولا بوصفها أكثر تقدّماً منها، وإنما بوصفها إمكاناً آخر للتعبير شعرياً، وبوصفها إناء للشعرية العربية، وإضافة إلى أساليب التعبير.

 

أما أصحابُ الفهمِ الآخر، فلم يطلعوا على تراثنا العشري بقدر ما مرّوا عليه مرور الكرام، واتجهوا مباشرة إلى النثر، ولم يسلكوا هذا الدرس إلا احتماءً واخفاءً لقصورهم الأدائيِّ والتعبيريِّ، واختصاراً للمسافةِ... وكان الأفضلِ ـ فيما أرى ـ لو طوّعوا هذه الكتابة إلى أشكالٍ أخرى كالأقصوصةِ أو الخاطرةِ أو المقالةِ الذاتية... وإلا حكموا على ما يكتبون بالموتِ والإنقراضِ وهؤلاءُ هم الذين يخلقون الجدلَ ويشعلون ذبالاته، ويجعلون من قصيدتي الوزن والنثر متضادين، رغم أنهما تتكاثفان لإغناءِ الأدب في عمومه، فالصراعُ فيما نعتقد لا يكون بين شعرٍ ونثرٍ، وإنما ينشبُ بين نثرٍ أو بين قصيدةٍ في المرأةِ وأخرى في الثورةِ..

 

إنَّ هذا الصراعَ الذي يتمُّ ضمنَ النوعِ الأدبيِّ الواحدِ يتّخذُ منحى تغييرياً حيث أشكال هذا النوع أو ذاك، تتصارعُ لتأكيدِ قيمها الجوهرية، ومن ثمّ إغناء كيانها الذي تندرج فيه، وإكسابه مقدرةَ التنازعِ في نطاقٍ أوسعٍ، يشاركُ فيه جنسان أو أكثر، يتّخذُ فيه الصراعُ منحى وجوديّاً، حيث البقاءُ والنهايةُ للجنسِ الأرقى الذي تتوازى وظيفته التعبيرية والجمالية، وفي ظلِّ هذا التفسير نشأَ ذلك الحكمُ الجديدُ الذي يصرخُ بأن الروايةَ ديوانُ العصرِ الحديثِ، على غرارِ المقولةِ التقليديةِ التي تقولُ أنَّ الشعرَ ديوانُ العرب.

يتّضحُ من خلالِ تناولنا هذا لقضايا شعرنا الراهن ومعضلاته، وما يلحق ذلك من استفهامات إشكالية، إنَّ التصوّرات التي تسودُ انساقه العامة لا تخلو من خلفياتٍ مغلوطةٍ أو نتائجَ يعوزها الإيضاح والإستدلال، وما محاولتنا المتواضعة إلا إسهامٌ أوليٌّ مطمحه أن يزيلَ بعضَ اللبسِ عن تلكَ المفاهيم المتسرعة والخاطئة أحياناً، بل والأهمُّ من ذلك أن ينبّهَ إلى فداحةِ كلِّ أسلوبٍ أو إجراءٍ تحكمه العشوائيةُ والجزئيةُ واللا تعقّل، ويدعو إلى إعادةِ النظرِ فيما هو مطروحٌ من الرؤى والأفكارِ التي تتداولُ بالتناوبِ على قصيدتنا الراهنة.

 

                                    www.tijaniboulaouali.nl