إباء اسماعيل

            ركودٌ في حضورِ القمر

 

          -1-
ترصفكَ الساعاتُ والأحجارُ
حكمةً لأحلامٍ متكسرةِ الرغبات
شركاتٌ تقضمُ أظافرَها
والبورصةُ في الوولْ ستريت ،
تنفضُ غبارَ خسائرِها صباحاً
لتصحوَ في المساء
على عاصفةِ صحراءٍ رمليةٍ
تقتلعُ الأملَ المتبقّي فيكَ
من زمنِ الأحلامِ اللوزية!

ركودٌ هنا
ركودٌ في الطقسِ
وفي البحيراتِ
وفي الوجوهِ
وفي الشركاتِ
وفي الآمالْ

تنبثقُ كي تكسرَ أحجارَ الركودْ
هذا الذي لايعرفُ كيفَ ينبثق!
هذه الجثّةُ التي لا تموتْ
ولكنها تخرِّبُ وتُفسِدُ بعضَ أجزاءِ الكون
وبعضَ أحياءِ الكون
هؤلاءُ الذين باسمِ الركودِ باتوا
أفواهاً يتربَّصُها الموتُ
وجرذانُ الخوفِ
والآبارِ المجفّفةِ إلا من الحربِ والمرض.
حين السواكنُ تأكلُ بعضَها
لتزدادَ اقتراباً من نهاياتها،...
تصطدمُ أشياؤك
وتتكسّرُ على هذيانات
زمنٍ يمشي كلُ شيء فيه
على سطحِ قشرةِ الذرّات
والذراتُ أيضاً تتشاجرُ ليحتلَّ منها الآخرُ
والقويُّ منها يبقى،
ليضعفَ يضعفَ ويصيرَ جماداً.

تتأمّلُ الحجرَ
والصّواعِدَ والنوازِلَ
والناسَ المهزومين
في تركيبةِ الزمنِ الغائبِ عن حضوره،
الزمنِ الذي يفترِسُ ذاتَه
وعوالمَه البيضاءَ الخفيةَ
الزمنِ الذي يصيرُ مكاناً بلا ذرات
الزمنُ الذي يُفَرَّغُ من نبضِه
ومن أحيائه التي باتتْ مهددةً 
بظاهرةِ الاقتناص!

كلُّ شيءٍ يبحثُ عن جلدهِ
خشيةً من أنْ ينسلخَ
حينَها يبقى بلا استنساخٍ
وبلا ذاكِرة.

هل الجلدُ بات الهوية؟
هويّةَ المُسافرين
هويّةَ الضائعين
هويّةَ البشرِ تلك
أم هويّةَ الشجرِ
أم  الحجرِ
أم الحيوان ؟!
لماذا يكتفي هذا الكونُ ،
بقراءةِ ذاته من قشرته؟!
من جلدهِ الذي بات متشققاً
ولكنْ ماذا وراء تلكَ القشرة؟
لنفترِضَ أنها تمزّقتْ
هل هذا كل شيء؟!

وماذا عنك ..عنّا .. عنهم  ؟
ماذا عن هذا الذي يسكنُ ذواتنا
وجرعاتَ دمائنا المنسكبةِ
في خوابي أحلامِنا المرتقبة،
أين يمكننا أن نصرفَها؟َ
وهل تخضعُ هي الأخرى لـ (الوول ستريت)
في البورصةِ أم أنَّها
لا تعني للبنوكِ شيئاً
حين تُقْفَلُ لتصبحَ سراباً؟! 
          *          *           *  
          -2-
لكنني مشحونةٌ باللاركود
أتوضّأُ بماءِ الشمسِ ..أدخلُها .. تدخلني
أثيريّةٌ أنا
وأهفو حافيةً
من تشوّهاتِ الأجسادِ الماديّةِ
أحرفي مملكتي
 ونبضي الأثيريُّ
ملوّن بالحياة

أحياناً
آوي قطةً
تُشاكِسُ قطةً متوهِّجةً
ومتوحِّشةً
تقبعُ فيَّ
منذُ آلافِ السنين

ثمةَ شيءٌ يشبهني
أقوى من الركود،
ثمةَ زعانفُ متحركةٌ لعصفورٍ
حالمٍ بالسباحة
في مياهِ روحي،
ثمةَ أجنحةٌ لسمكةٍ ذهبية
تبحثُ عن هوائي،

ثمةَ رجُلٌ/شجرة،
تمتدُّ أغصانُهُ
لتحيطَ تربةَ أحلاميَ المدفونةِ بالسوادِ/ الخَرابْ
أختبىء تحتَ مظلةِ براعمَ زنابقهِ الماطِرةِ
ليتفتَّحَ شيئاً فشيئا ويكبرَ في حضوري
واُصبحُ أنا في حضوره ،
 ضوءًا ساطعاً اشفُّهُ  وأدخلهُ 
لأًفتِّحَ زنابقَهُ النَائمةَ
ولنصحوَ  ليلاً بعد فجرٍ،
بعد ارتعاشاتِ شموسٍ غامضةٍ
حينَها،
أُقيمُ فيه... يُقيمُ فيَّ
على كفَّيْ غيمةٍ بيضاء
ليتخرَّب فينا كلُّ الخَراب!
 
أشربُ مياهَ أحزانه
حتى ثمالةَ البحث
عن وجودي
في احتراقاتِ شموسِه الحانية!
ما الذي أجهشَ في روحي كلَّ هذا الصقيع؟ 
حيثُ الغربةُ وطنُ الغنيِّ ومنفى الفقيرِ
وحيثُ الوطنُ شوقُ المجانين إلى تراتيلِ الأبدية،
أبديةِ الموتِ في زمنِ الصلواتِ المحروسةِ
بديمقراطيةِ القتلِ الجماعي !

أشعرُ بأن العالمَ الأكثرَ إدهاشاً
ما زالَ مشتعلاً بين يديّ
لن أضعَه في أيّةِ حقيبةٍ
الحقيبةُ مقيّدةٌ بأوراقِها وعملاتِها
التي باتتْ هزيلةً
لا تشبهُ الأوطانَ
ولا تشبهُ الشِّعرَ
ولا تشبه الطفولةَ
وأنا غنيٌّةٌ جداً
إلى أقصى لاحدودِ الياسمين،  
وإلى أقصى لاحدودِ النخيلِ،
إلى أقصى لاحدودِ الزيتونِ،
إلى أقصى لاحدودِ الأرزِ
إلى أقصى لاحدودِ الـحدود!   
حين يتعانقونَ
أنهراً وما بينها
تباشير ( السياب)، و (قباني)..
 و(درويش) و( جبران) و..و.....
وما بينهم،
 سرُّ القصيدةِ/ الأنثى/ الوطن
تُشعِلُ أصابعَها بخوراً
لتضيءَ بَوحَها وجنونَها،
                       قمراً مُشاكساً
يُدرِكُ سرَّ لعبةِ الركودِ
حين يُفتتها أشلاءً
             في حضورِ توهّجِه الأبدي!
www.ibaaismail.com             poetibaa2009@gmail.com