ما
زالت المكتبة العربية شبه خالية من أي ترجمة للأدب الكردي، وأنا أعني هنا
الأدب المكتوب باللغة الكردية، وليس ما يكتبه الأدباء الكرد باللغات
العربية والتركية والفارسية.
أحاول في هذه المختارات أن أترجم عدداً من الشعراء الكرد في سوريا حيث لا
يزال هذا الأدب مجهولاً تماماً، ليكون مشهد الشعر السوري في غناه المتعدد
.
شعراء متميزون تمكن كل واحدٍ منهم من أن يكرس تجربته بما يدل عليه. ولأن
الترجمة في الأصل خيانة، فإن من الممكن أن لا يظهر هذا جلياً في القصائد
المترجمة، علاوة على أن اختيار قصيدة أو اثنتين لكل شاعر لا يمكن بحال أن
يُعبر عن تجربته ككل.
الملف لا يشمل بالطبع كل الشعراء الكورد في سوريا؛ فمنهم من يكتبون
بالعربية، ونتاجهم جدير بالتعريف بهم، ومنهم من لا يزال في الأرجوحة
المتنقلة بين الكتابة بالعربية والكتابة بالكوردية - وأنا منهم. وهؤلاء
أيضاً لا تقتضي ضرورة التعريف بهم سوى الاطلاع على نتاجهم بالعربية؛ فظلال
كلتا اللغتين تلقي بنفسها على النتاج المكتوب باللغة الأخرى.
هذه
المختارات، ككل مختارات أخرى، غاب عنها شعراء استحقوا أن يأخذوا مكانهم
فيها. لكنني حاولت جهدي أن تحتوي على أهم التجارب المتواجدة على الساحة
الأدبية. لأسبابٍ متعدّدة، يبقى هناك، دائما، نقصٌ ما يعتري أي عمل. لهذا
يحتاج كل عمل من هذا النوع نقوم به إلى من يستكمله؛ وهذا هو الشكل الصحيح
للأمور في اعتقادي.
ثانيًا، لأن الترجمة خيانة ولأن لكل لغة خيالها وجمالياتها الخاصة بها ولكل
تراث صوره ورموزه وإيحاءاته التي قد لا تعطي المقصدَ نفسَه عند ترجمتها إلى
لغة أخرى، فقد حاولت، في تقصُّدي للترجمة، أن أكون شاعرة بما أنا متمكنة
منه في اللغة العربية، يُعينُني على ذلك انتمائي إلى الشعر الذي أنا
مُقدِمةٌ على ترجمته في ميثولوجيته الكردية.
اللغة الكردية لغة شعر أصلاً، لغة ٌ لم يتمكن شعراؤها المعاصرون حتى الآن،
بالرغم من محاولاتهم الشعرية الجديرة بالتقدير، من أن يُوفَّقوا إلى اكتشاف
براعتها وزخمها ورقتها إلا في القليل النادر. هؤلاء الشعراء، وإن كان لدى
كلٍ منهم ما يميز تجربته قليلاً أو كثيراً، فإنّ اختلافهم ليس بالقدر
الكافي الذي يسمح بالقول بتشكل مذاهب متفردة في القصيدة الكردية.
والشعر الكردي، كغيره من الآداب العالمية، موزع على مذاهب شتى. هذا فضلاً
عن الخصوصية التي تمكن منها كل شاعر لنفسه؛ فهناك مَن اشتغل على اللغة حتى
أُشكلت عليه الصورة؛ وهناك َمن أغرته الصورة فأسلس لها القيادَ حتى أفلت
منه الإيقاع وأسهب على حساب كثافة الشعر؛ وهناك أيضًا من برع في حَبك
الصورة بلغة ٍ رشيقة ٍ منسابةٍ كالماء؛ وهناك من أخذ من حنينه مدخلاً إلى
فلسفة إنسانية راقية؛ وهناك من التقط من اليومي صورة ً باذخة ً في
مدلولاتها الإنسانية وتمكن من القبض عليها في قصائد تشبه الومضة.
تبادل الشعر والنثر المواقع بين شاعر وآخر، واعتمد تقسيم الأشطر على طريقة
الشاعر في الإلقاء أو إحساسه الشخصي بالقصيدة – وفقاً لتخميني - إلا في
استثناءات قليلة انحاز فيها التوزيع على صفة فنية تقصدت الانزياح في المعنى
القابل للتأويل في أكثر من وجهة.
(خلات أحمد، زيورخ آذار 2007
ملاحظة : ليس لترتيب الشعراء في الملف أي أعتبار سوى تتالي وصول نتاجهم
إلي.)