لقمان محمود

حزنٌ يحرسه الألمُ

 

 

 

 

 

إلى زوجتي سامنثا [

سأمزٌّقُ ستائرَ الترابِ

ساتراً

ساتراً

لأرى من الشباكِ الترابيّ

كائناً يتحوّلُ إلى إنسانٍ

فتخرجُ من ظلّهِ غزالةٌ فيسلخها

فيخرجُ من ظلّهِ خنزيرٌ

فيستسلمُ لذهولهِ.

كائنٌ كان

فانحنى بكاملهِ

ليرى ما سيمضي:

عشرون رجلاً طاردوا غزالةً، من "نصيبين" إلى "عاموداً"، وعندما استصعبوا الإمساكَ بها استراحوا على مقربةٍ من النهرِ الجاري، حينها اقتربتِ الغزالةُ بدلالٍ، فاستسهلوها وانكبوا على دموعٍ أُعيقتْ سلخها، وبينما هم في حيرتهم، ظهرَ خنزيرٌ أمامَ أعماقِهم، فهبَّ عشرةٌ منهم، فلم يعودوا، فهبَّ خمسةٌ فلم يعودوا، فهبَّ أربعةٌ فلم يعودوا، وقبل أن يهبَّ الأخيرُ، سال دمعٌ كثيرٌ، بدل الدمِ، فقبل أن يسألَ أعماقَه، سمع: أبي ما رأيتموه ليس سوى أخي، فهبَّ ويده على بندقيتهِ التي رأت تسعةَعشرَ رجلاً يجرّون خيطاً من الدمِ، فحصدتْ في حينها تسعة عشر خروفاً، فقبل أنْ يستيقظَ من ذهوله، كان يحلمُ بهذه المنطقةِ المأهولةِ بالجنِّ، فانحنى بكاملهِ على حزنٍ يحررسهُ الألمُ، فرأى في أعماقه البعيدة، انعكاس الشمال من جهة أخرى في هذه الأرض، فنادى على الترابِ النائمِ، حتى تقشّرَ الحلم على جسده، فانفجر الجفافُ العذبُ، ليبكي غيمةً من التراب، فهطلَ غباراً .. غباراً. وعلى مقربةٍ من النهرِ، صار يحفرُ بيديه قبراً لابنته، ثم قبراً لابنه، لكنَّ ذاكرةَ يديه إستمرّت في الحفرِ، فخلّفتْ واحداً وعشرين قبراً، ومنذ ذلك الوقت أصبحتِ المقبرةُ الوحيدةُ لأهالي " عامودا"، ثمّ بنى كوخاً على النهر، وأصبحَ معروفاً بين الاس بالمجنون، لما كان يتوهّمه: فكان يركضُ طوال النهارِ على غزالةٍ تركضُ في أعماقه فقط، متوسّلاً إليها: توقفي ابنتي، لقد تعبتُ، وعندما كان يسقط مغشياً عليه، كان الناسُ يشفقون عليه، فيبلّلونه من ماء النهرِ، فعندما كان يفيقُ، كان يصرخُ بهم: لماذا تلطخون وجهي بدمِ ابني، وأثناءَ الليلِ كان صراخُه يجعل الناسَ يسترقون سرَّه، عندما كانوا يسمعونه وهو يقول: أيتها الجنّيّةُ سأسلخكِ، وفي كل يوم كان يزداد عددُ الجنّياتِ التي كان يسلخُها في الليلِ، وعندما اختفى بنت الحكومةُ مسلخاً من الإسمنتِ فوق كوخه.

 

مُلحقٌ

 

ما تسنّى لي:

 

كان ينبغي أن يظهرَ في " عامودا "

هذا الخنزيرُ الوحيدُ

كي نطلقَ على نهرهِ اليتيمِ هذا الاسم.

كان ينبغي أن نُمتحنَ بأجدادنا

 

في غزالةٍ أخرى

لتجديدِ طيشنا.

 

لكي تظهرَ نجمةٌ على الأقلِّ

سأمارسُ الليل.

لكي أحيا كما أريدُ

سأمارسُ الموت.

وكي لا أنحني

سأدرِّبُ تمثالي، أن يكونَ قامةً من الدم.

 

لكي أنسى

سأضيفُ شجرةً سعيدةً

إلى هذه الجنّةِ العاقرةِ

لأبرهنَ لذاكرتي

أنني طوال طفولتي

كنتُ أنصبُ الفخاخَ

لعصافير من تراب.

 

أحبُّ صيفَ الشمالِ

كي أرى الشمسَ

وهي تبكي بهذه الحرارةِ الزائدةِ

ربّما ينصهرُ الحديدُ في دمنا.

 

 

 

أيهِ يا نهرَ خنزيرٍ

هناكَ فرقٌ

طالما كنتَ تخيّطُ أرضَ "عامودا"

هناكَ فرقٌ

طالما كنتَ تمسكُ بثقةٍ، صورةَ الماء.

 

§        ما بقيَ غامضاً:

كوخٌ على النهرِ

يتفكّكُ إلى غبارٍ

ويصعدُ إلى السماءِ

يصعدُ بأقدامٍ غامضةٍ

على سلّمٍ غامضٍ

في أرضٍ غامضةْ

لكنَّ النهرَ، كان الشاهدُ الوحيدُ

المشدودِ إلى هذا الغموضِ

ومنذُ ذلك الوقت،

يجري في ذاكَ النهرِ الناشفِ

ماءٌ سرّيٌّ.