جنان نويهض سليم

الناي المهجور      

 

 

 تركتُ ناياً على تلّ السوسن ِ

وفي جوفهِ الضيّق

أغنيةٌ  لم أغنّها،

فسجنتها بحّةُ لحنٍ في الثقوبْ،

وتناسيتُها.

صغيرةً كنتُ على حملِ الذنوب.

 

وطاردَ لحنُها روحي

كالطيفِ إلى أقاصي الأرضْ.

ألفُ نايٍ ذّكّرني بأغنيتي

ولم أسمعْ. 

لبسَ لحنُها ألفَ غلالةٍ أثيريةٍ  

وأغراني كي أعرّيه، 

لتسمعَ الأكوانُ أغنيتي،

ولم أفعلْ... فعّراني،

بعدَ أن عرّتِ السنونُ أغصاني.

 

لم ألدْ أغنيتي، لكنها من جديدٍ ولدتني،

وبماءِ الغربةِ المالحِ عمّدتني،

ثم أسكرتني ببخورِ الحنينِ 

إلى تلِّ السوسن.

 

 

فرجعت امرأةً مهووسةً

هائمةً ًعلى وجهها تسأل:

هل رأى نايي أحد؟

هل سرقت عصافير التلِ 

من بلعومه لحني؟

 

فانكوفر، شباط 2009

 

مواعيدُ الحياة

 

لي مع الحياةِ

مواعيدُ تحينُ كلَّ لحظةٍ

تتجّددُ إلى ما نهاية ْ،

باطنيّاً كالخلايا،

كالحياةِ تولدُ نفسَها من نفسِها،

كلقاحٍ من زهرةٍ وإليها،

إن أنا عشتها لحظةً فلحظة...

 

وتنحسرُ كالموجِ عنّي،

إن تناسيتها ولم أحضرْ.

 

الحياةُ هنا، حيث أنا،

بكلِّ ما في ضجيجي من سكونْ

بكلِّ ما في سكينتي من جنونْ.

ألاقيها... وفي قلبها أنبضُ،

لا في فلذةٍ مضّمخةٍ بالشجونْ.

جواسيسي نجومٌ وأقمار،

بعطفٍ يرصدونْ.

آمنةٌ أنا هنا،

من نفسي ومن الزمنْ،

أمانَ الطيرِ على غصنٍ أليفْ.

أرتشفُ الحياة َمويجاتٍ،

برقّةِ الخشخاش للطّلّ الخفيفْ.

ترتعشُ فيّ الروحُ

أمامَ نوافذَ مشّرعةٍ للسماءِ

وتنتشي في أمانِ لحظةٍ،

بلا حدودٍ من زمنْ

 تمتصُّ طاقة الحياة من حولي،

من انفساحِ الوجودِ في كياني،

من يقظةٍ تلوّنني وتسقيني،

تحتويني،

بكلِّ ما فيّ من حضورٍ،

جذورٍ، وبذورْ.

فلا تسرقْ يا صديقي

لحظتي منّي!

لا تحاولْ... فكلي حذر!

ثم إنك إنْ حاولتَ،

لانحسرَ الموجُ

عن لحظتِكَ انتَ

ولعنتني، ثم لعنتَ القدرْ!

 

فانكوفر, تموز 2009                               

أزاميلُ الحّب 

يأتونَ إلى حياتي ثم يرحلونْ

يتظلّلون في خمائلي ويسقونَ الشجرْ

يحفرون قصيدَهم على اللحاء

ومن بساتيني ثماراً يقطفونْ

يقتلعونَ أشواكي برفقِ الصديق،

يشّذبون أغصاني ويقّلمّونْ

بذورَ حّبِهم يرشوّن على ترابي

أو يدوسون على بنفسجي 

من حيثُ لا يدرونْ

 

يخبّئونَ أسرارَهم في أديمي 

ويتركون في سحيقِ جوفي

ما لا يموتُ إلاّ بموتي

أو يرشقونَ نبالَهم إلى قلبي

ولا يدركون

أَنّهم يهِبون ممّا طالَ ثم تحجّرَ

من شوكٍ برتْه السنون سنانَا

 

يأتون إلى حياتي ويرحلون،

يهشّمونَ صخورَ كبريائي،

وعلى عتباتِ قلبي منها يتركونْ

حبّات زمّرد وعقيقْ

 

تشعُّ كشجرةِ الميلاد

في عتماتِ ذاتي 

يغوصونَ في بحاري  

وكالأسماكِ في مياهي يتنفسونْ

يشربونَ ملحَها وحلوَها يمّلحونْ

يكتشفونَ ما غرقَ وفي العمقِ استّقر

من أسراري ومخزوني

ثم يطفونَ حاملين مرجاني

ذكرى من رحلةِ غوصهم

يقولون هذا قليلٌ من كثيرٍ ينمو هناكَ

ولا أدري عنه قليلا أو كثيرا

 

يأتون إلى حياتي ثم يرحلونْ

وفي مواسمِ الحّبِ يطيلون الزيارة

في سمائي يرسمونَ أقواسَ قزحْ ،

وفي خوابيَّ

خمورَهم وزيتَهم يصّبونْ

ويخبّئون في زوايا قلبي  

رزماً من فرحْ

تكشفها منارةُ روحي

في ظلالِ الترحِ بعد الزيارة

 

على جدرانِ قلبي يحفرونَ

كنوزاً من ذكرياتْ

أو يسلبون خيراتي،

ومن حيثُ لا يدرونَ

جدرانَ قلبي يصّدعونْ  

 

إلى قلبي يلِجونَ ثم يخرجونْ

يلتجئون فيه من عواصفِ الذات

أو الحياة

فيلتهمون الحبَّ لذّات

ومن حناني يشربون

كما لو كنتُ قوتاً على مائدة ْ،

ثم يغصّونَ بمرارتي – أو بشهدي –

لست أدري...

ولا يدركونْ

لماذا أتوا وممّا يهربون...

أو يمسحونَ جراحَ قلبي، بالقبلاتِ

ومن صخوري، خضرةً يُنبتونْ

 

أينما حلوّا في شرقي وغربي

بصماتِهم يتركونْ

نعمةً .. جرحاً... صلاة ْ

أصدقاءٌ... أحّباءٌ... رفاقُ دربْ

يشاطرونني غبارَ الطريقِ

عطايا المطرْ ،

بدونهم فراقُ الموانىء لا يبكي

بدونهم لا أزاميل تنحت في رخامي الصورْ .

بدونهم لا مدارس أتعّلمُ فيها  

دروسَ السماءِ في حبّ البشرْ!  

 

  فانكوفر، تمّوز 2009