يوسف الجباعي
(أرسل الشاعر رحمه الله قصائده قبل غيابه بيومين ننشرها تباعاً
)

مشهد الغياب

كم كانتِ السماءُ زرقاءُ في ذلك اليوم! نشروا أشرعَتهم وأمسكوا بناصيةِ الريح . كانت أصواتُهم تملأُ الميناءْ، وتمتزجُ بهديرِ الموج ، وصخبِ الطيور . وقفَ الأطفالُ والشيوخُ والنساءْ على الأرصفةِ الرطبة ِ يلوِّحونَ بأيديهم وينادون ْ ، ويسكنُ في عيونِهم طيفُ رجاءْ . إشرأ بّتِ الصواري، قرَّبتِ الأفقَ البعيدْ . أغنيةُ الوداعِ التي أغرقتها الدموع ْ تلاشتْ أصداؤها بين الماءِ والسماءْ . في مؤخّرةِ السفينةِ أنزوى بحارٌ جديدْ ، بحارٌ طريُّ العودْ، بحارٌ عِشقُهُ وضَعفُهُ يواري . في آخرِ المساءْ كانت صبيّةٌ يغلبُها البكاءْ تواري عشقـَها وضعفها مثلَهُ وتسألُ الله أن يعودْ. الصداقةُ المستحيلةُ -1- يصطادون أسماكا ً ميتة ً ، يبيعونَها لفقراءِ العالم . كلُّ شيءٍ يجري بدونِ عائق ٍ لسهولةِ الإتصالات، ولأنَّ الأرضَ أصبحتْ قرية ً ، ولأنَّهم صانعوا الحياة ْ فقراءُ العالمِ جموعٌ غفيرة ٌ ، ظروفُهم صعبة ٌ ، آمالُهم محبوسةٌ في صدورهم ، أحلامُهم مكسورة ٌ ، وليس في اليدِ حيلة . يسرقون أسماكَهم النبيلة ْ ويبيعونها لأغنياءِ العالم . يا لعصورهم الذهبيةِ الجميلة !

-2-

يدَّعونَ أنَّهم للقيمِ السامية ِ ولا يرونَ أنيابَهم . يستدركون خطاياهم بنوايا طيبة ٍ ، وبمزيدٍ من الخطايا . يشدّون إزرَنا بإسمِ إنسانية ٍ صافية ٍ ، وصداقةٍ محسوبةٍ بالعوائد ِ والفوائد، وينصحوننا بالتواري خلفَهم ، أو الظهورِ على مسرحِ الدمى ظلالا ً وفي أفلامهم غرائزٌ عمياءٌ وأعرافُ قبيلة . يا للصداقةِ المستحيلة !

-3-

صانعو الحياةَ والموتَ معا ً لهم أوجهٌ عديدة . بعضُ وجوهِنا أقنعةٌ لهم ، بعضُ أقنعتنا تخفي ندوبَهم . مسخرةٌ مفروضةٌ علينا ، يا للطقوسِ القديمةِ الجديدة ْ ! تفاصيلُ الجفاء لا أمرٌ يجعلُ العصافيرَ تغنيّ هي هكذا مفطورةٌ على زقزقة ٍ نـُسميِّها الصّداحَ أو الغناءْ . لا موجٌ يستأذنُ بحرَه حتى يهيج، وكي يموتَ في زبدِ التلاشي ، أو فقاقيعِ الغـُثاء . يأتي الربيعُ كما نشاءُ ولا نشاءْ ، والصيفُ يتبعه ُ ، ونشربُ نخبَ فصليْنِ معا ً، كأنَّ زمانَنا رَهن الإشارةِ والتمنّي . ويقودُنا تعبُ الخريفِ إلى الشتاء ، فنقولُ مهلا ً نحنُ فُوجئنا ، شربنا النـّخبَ تِلوَ النـّخب لكنَّ جمرةً في القلبِ تحكي عن تفاصيلِ الجفاءْ . صيدا في 15/8/2009