سألتُ الريحَ في دَعَةٍ سؤالا * فقالتْ: ]دعْكَ من هذا تعالَ
عن الغبراءِ حلّقْ مثلَ طيرٍ * إلى "لا أينَ" يرتجلُ ارتحالا
وبالاً لا يعيرُ لأيِّ أمرٍ * وبالٌ لو أعارَ الطيرُ بالا
لأمرٍ ليس يجري دونَ خمرٍ * وإلاّ الأمرُ منقلبٌ وَبالا [
* * * *
فقلتُ: الطيرُ لا لغةٌ ودينٌ * ولا لونٌ وطائفةٌ تَغالى
أَئمّتُها فتاوى عن سريرٍ * وعمّا شُدَّ منْ مَسَدٍ حبالا
وحبلُ الحُلمِ مِلحاً دونَ زهرٍ * على ظهرِ الفتى ينمو جِبالا
وليس المِلحُ يزهرُ لو تَحلّى * بماءٍ من سماءٍ أو تَحالى
* * * *
فقالتْ: ]كنْ بلا لغةٍ ودينٍ * ولا لونٍ وطائفةٍ تعالَ
إلى حيثُ الحقيقةُ لا ذراعٌ * لها تُلوى يميناً أو شِمالا
وهمْ في الأرضِ حُلماً دونَ لحم * إلى أنْ يبلُغَ الشوقُ الوصالَ
ولا ترحلْ شَتاتاً أوْ فُتاتاً * إذا ما شدّتِ الريحُ الرِحالَ
ولا تجفلْ إذا ما طالَ ليلٌ * ولا تحْفلْ بــِ "قيلَ" ولا بــِ "قالَ"
فَتَحْتَ الشمسِ مُتّسعٌ لطيرٍ * إذا قوتاً أرادَ ولا قِتالا [
* * * *
فقلتُ القوتُ قبرٌ تحتَ قصرٍ * وَدَربُ القبرِ مزروعٌ نِعالا
بِخُفٍّ لمْ يعُدْ أحدٌ إلينا * لِيُخبِرَ أنَّ ذاكَ القصرَ زالَ
وأنَّ الدربَ يوماً دونَ حربٍ * سَيَسْرِي والمَقامُ يعودُ حالا
وأنَّ الحالَ وَحْلٌ قيلَ أوْحى * لها وحْيٌ بأنَّ الوَحْلَ صالَ
وَجالَ وليسَ يجلو دونَ نارٍ * ترُدُّ الماءَ – من تيهٍ – زُلالا
* * * *
أنا يا ريحُ من ماءٍ فَحيناً * جنوباً أبتغي حيناً شَمالا
على ظهري صليبٌ عنْ بلالٍ * صلاةُ الظهرِ أرفعُها هِلالا
وأجْراً لستُ أرجو عنْ رجاءٍ * وشيئاً لا أُريدُ ولستُ مالا
أُريدُ، ولا مُريداً كنتُ إلّا * لتاريخٍ بِصدْرٍ دُقَّ خالا
لنا التاريخُ وَشْماً ليسَ يمحو * على قدميْهِ لوْ متنا ابتهالا
* * * *
أنا يا ريحُ منْ نارٍ أراني * إلى نارٍ أُجَرْجِرُني ارتجالا
على سَفَرٍ كأَنَّ الجَمْرَ تحتي * إلى سَقَرٍ وَأَزدادُ اشتعالا
أَجمْراً أمْ تُرى عَطَشاً أُطَفّي؟ * بماءِ الوجهِ فوقَ الوجْهِ سالَ
سؤَالاً، أسْتميحُ الكونَ عذراً * إذا كانَ الذي أَبغي مُحالا
فما أَبغيهِ: أَرضٌ ليسَ فيها * سماءٌ تُقْلِقُ الدُّنيا سُعالا
يُشاغِلُنا سِجالاً ليسَ دارٌ * لها في الأَرضِ تَجْمَعُنا اقْتِتالا
* * * *
أَنا يا ريحُ حِبرٌ قدْ تَحَفـّى * على ورقٍ ويَوْماً ما اسْتمالَ
سوى عَقْلٍ يُصلّي: لَيْتَ يأتي * سلامٌ يُغْرقُ الدّنيا ظلالا
نُظلِّلُها بروحٍ ليسَ تُفتي * بغيرِ الحبِّ شُغلاً واشتغالا
بِرؤْيا لا تَرى في الأرضِ إلّا * لكُلِّ الخَلقِ وصْلاً لا انْفِصالا
* * * *
أنا يا ريحُ حِبرٌ ما تَخَفّى * وراءَ السطرِ سِرّاً كيْ يُقالَ
حَداثِيٌّ جُنونُ الصوتِ، صَمتاً * وِراثيٌّ أنا والإرثُ لا لا
وَلائي لا لِـلأْلاءٍ إلينا * بِآلاءٍ لآلــئَ كانَ آلَ (1)
أنا لائي وَلاءٌ لا يُوَلّي * لِمَنْ كانتْ وما زالتْ مآلا
لِمولاةٍ تُؤَوِّلُني سؤَالا * كريحٍ تَسكُنُ الرّوحَ احْتلالا
* * * *
أنا يا ريحُ حِبْرٌ شنَّ حرباً * على بحرٍ يُحاورُني احْتيالا
على ريحٍ يُساوِمني بِموجٍ * بلا موجٍ يُنازلُني خيالا
وراثيٌّ جُنوني لوْ هجوْني * فَقَوْلاً لستُ أخشى أوْ مقالا
وِراثِيٌّ أنا والإرثُ شيءٌ * جميلٌ ليسَ يَفتعلُ الجمالَ
بِنثرٍ مثلَ شِعرٍ ليسَ يلغو * وشِعرٍ مثلَ نثرٍ حيكَ شالا
يُزَنِّرُ خَصْرَ راقصةٍ تغاوتْ * دَلالاً لمْ يَعِثْ إلّا دلالا
يُغذّي الروحَ أُغنيةٌ تَغَنّتْ * بها الأحلامُ تيهاً واختيالا
وحافيةً على جمْرٍ تهامتْ * بَخُوراً زادَ في الجمرِ اشتعالا
وعاريةً كشلّالٍ لُجَيْنٍ * يَحُطُّ العقلَ في الكفِّ اختِلالا
وجاريةً بِخَلْخالٍ تراءَتْ * كسِحرٍ يَسْحَرُ السِحرَ الحَلالا
يرُدُّ الرّوحَ منْ موتٍ سَؤولٍ * عليَّ الريحُ تَطرَحُهُ سؤَالا (2)
* * * *
(1) ولائي: واو العطف + "لا" خاصتي ،، لـِلأْلاءٍ: لام الجرّ + لألاء (بفتح اللام الأولى قبل الهمزة المسكنة): جامع اللؤلؤ أو بائعه ،، بِآلاءٍ: باء الجرّ + آلاء: نِعَم،، لآلئ: واحدتها لؤلؤة،، آلَ (يؤولُ): رَجِعَ،، (2) لا وجود لــ " سَؤُول" في معاجم اللغة، تحتُّها على فَعول (مثل شغوف)، بمعنى: كثير السؤال،،
حرفيش * الجليل * تشرين الثاني (نوفمبر) 2009
|