تركي عامر

        سألتُ الريحَ

 

 

سألتُ الريحَ في دَعَةٍ سؤالا *  فقالتْ: ]دعْكَ من هذا تعالَ
عن الغبراءِ حلّقْ مثلَ طيرٍ  *  إلى "لا أينَ" يرتجلُ ارتحالا
وبالاً لا يعيرُ لأيِّ أمرٍ        *    وبالٌ لو أعارَ الطيرُ بالا
لأمرٍ ليس يجري دونَ خمرٍ *  وإلاّ الأمرُ منقلبٌ وَبالا [
                           *  * * *
فقلتُ: الطيرُ لا لغةٌ ودينٌ    *  ولا لونٌ وطائفةٌ تَغالى
أَئمّتُها فتاوى عن سريرٍ     *  وعمّا شُدَّ منْ مَسَدٍ حبالا
وحبلُ الحُلمِ مِلحاً دونَ زهرٍ *  على ظهرِ الفتى ينمو جِبالا
وليس المِلحُ يزهرُ لو تَحلّى  *  بماءٍ من سماءٍ أو تَحالى
                            * * * *
فقالتْ: ]كنْ بلا لغةٍ ودينٍ    *  ولا لونٍ وطائفةٍ تعالَ
إلى حيثُ الحقيقةُ لا ذراعٌ   *  لها تُلوى يميناً أو شِمالا
وهمْ في الأرضِ حُلماً دونَ لحم * إلى أنْ يبلُغَ الشوقُ الوصالَ
ولا ترحلْ شَتاتاً أوْ فُتاتاً      * إذا ما شدّتِ الريحُ الرِحالَ
ولا تجفلْ إذا ما طالَ ليلٌ  *  ولا تحْفلْ بــِ "قيلَ" ولا بــِ "قالَ"
فَتَحْتَ الشمسِ مُتّسعٌ لطيرٍ   *  إذا قوتاً أرادَ ولا قِتالا [
                            * * * *
فقلتُ القوتُ قبرٌ تحتَ قصرٍ *  وَدَربُ القبرِ مزروعٌ نِعالا
بِخُفٍّ لمْ يعُدْ أحدٌ إلينا         * لِيُخبِرَ أنَّ ذاكَ القصرَ زالَ
وأنَّ الدربَ يوماً دونَ حربٍ * سَيَسْرِي والمَقامُ يعودُ حالا
وأنَّ الحالَ وَحْلٌ قيلَ أوْحى  * لها وحْيٌ بأنَّ الوَحْلَ صالَ
وَجالَ وليسَ يجلو دونَ نارٍ  * ترُدُّ الماءَ – من تيهٍ – زُلالا
                            * * * *
أنا يا ريحُ من ماءٍ فَحيناً      * جنوباً أبتغي حيناً شَمالا
على ظهري صليبٌ عنْ بلالٍ * صلاةُ الظهرِ أرفعُها هِلالا
وأجْراً لستُ أرجو عنْ رجاءٍ * وشيئاً لا أُريدُ ولستُ مالا
أُريدُ، ولا مُريداً كنتُ إلّا     *  لتاريخٍ بِصدْرٍ دُقَّ خالا
لنا التاريخُ وَشْماً ليسَ يمحو  * على قدميْهِ لوْ متنا ابتهالا
                            * * * *

أنا يا ريحُ منْ نارٍ أراني     *  إلى نارٍ أُجَرْجِرُني ارتجالا
على سَفَرٍ كأَنَّ الجَمْرَ تحتي  *  إلى سَقَرٍ وَأَزدادُ اشتعالا
أَجمْراً أمْ تُرى عَطَشاً أُطَفّي؟ * بماءِ الوجهِ فوقَ الوجْهِ سالَ
سؤَالاً، أسْتميحُ الكونَ عذراً  * إذا كانَ الذي أَبغي مُحالا
فما أَبغيهِ: أَرضٌ ليسَ فيها   *  سماءٌ تُقْلِقُ الدُّنيا سُعالا
يُشاغِلُنا سِجالاً ليسَ دارٌ     *  لها في الأَرضِ تَجْمَعُنا اقْتِتالا
                            * * * *
أَنا يا ريحُ حِبرٌ قدْ تَحَفـّى   *  على ورقٍ ويَوْماً ما اسْتمالَ
سوى عَقْلٍ يُصلّي: لَيْتَ يأتي * سلامٌ يُغْرقُ الدّنيا ظلالا
نُظلِّلُها بروحٍ ليسَ تُفتي    *  بغيرِ الحبِّ شُغلاً واشتغالا
بِرؤْيا لا تَرى في الأرضِ إلّا * لكُلِّ الخَلقِ وصْلاً لا انْفِصالا
                            * * * *
أنا يا ريحُ حِبرٌ ما تَخَفّى  *  وراءَ السطرِ سِرّاً كيْ يُقالَ
حَداثِيٌّ جُنونُ الصوتِ، صَمتاً *  وِراثيٌّ أنا والإرثُ لا لا
وَلائي لا لِـلأْلاءٍ إلينا    *   بِآلاءٍ لآلــئَ كانَ آلَ (1)
أنا لائي وَلاءٌ لا يُوَلّي   *  لِمَنْ كانتْ وما زالتْ مآلا
لِمولاةٍ تُؤَوِّلُني سؤَالا    *  كريحٍ تَسكُنُ الرّوحَ احْتلالا
                            * * * *
أنا يا ريحُ حِبْرٌ شنَّ حرباً *  على بحرٍ يُحاورُني احْتيالا
على ريحٍ يُساوِمني بِموجٍ *  بلا موجٍ يُنازلُني خيالا
وراثيٌّ جُنوني لوْ هجوْني *  فَقَوْلاً لستُ أخشى أوْ مقالا
وِراثِيٌّ أنا والإرثُ شيءٌ  * جميلٌ ليسَ يَفتعلُ الجمالَ
بِنثرٍ مثلَ شِعرٍ ليسَ يلغو  * وشِعرٍ مثلَ نثرٍ حيكَ شالا
يُزَنِّرُ خَصْرَ راقصةٍ تغاوتْ *  دَلالاً لمْ يَعِثْ إلّا دلالا
يُغذّي الروحَ أُغنيةٌ تَغَنّتْ  *  بها الأحلامُ تيهاً واختيالا
وحافيةً على جمْرٍ تهامتْ *  بَخُوراً زادَ في الجمرِ اشتعالا
وعاريةً كشلّالٍ لُجَيْنٍ     *  يَحُطُّ العقلَ في الكفِّ اختِلالا
وجاريةً بِخَلْخالٍ تراءَتْ  *  كسِحرٍ يَسْحَرُ السِحرَ الحَلالا
يرُدُّ الرّوحَ منْ موتٍ سَؤولٍ * عليَّ الريحُ تَطرَحُهُ سؤَالا (2)
                            * * * *

 

 

 

 

(1) ولائي: واو العطف + "لا" خاصتي ،، لـِلأْلاءٍ: لام الجرّ + لألاء (بفتح اللام الأولى قبل الهمزة المسكنة): جامع اللؤلؤ أو بائعه ،، بِآلاءٍ: باء الجرّ + آلاء: نِعَم،، لآلئ: واحدتها لؤلؤة،، آلَ (يؤولُ): رَجِعَ،، (2) لا وجود لــ " سَؤُول" في معاجم اللغة، تحتُّها على فَعول (مثل شغوف)، بمعنى: كثير السؤال،،
حرفيش * الجليل * تشرين الثاني (نوفمبر) 2009