قيصر عفيف
الوحي و السحر

 

 

يقولُ ابو هلال العسكري: " من حقِّ الشِعرِ ان تكونَ ألفاظُه كالوحيِ ومعانيه كالسحرِ" وكأني به يختصرُ عمليةَ الإبداعِ عند الشاعرِ وعمليةِ القراءةِ الأبداعيةِ عند المتلقي اختصارا ً يلمعُ فيه جوهرُ الكتابةِ وجوهرُ القراءةِ في آنٍ معا ً.

                                                   

كان العربُ قديما يقولونَ بأنَّ شيطانَ الشِعرِ هو غيرُ الذي يوسوسُ في صدورِ الناسِ، لأنه يوشوشُ القصيدةَ في  آذانهم . ولمْ يكن العربُ وحدهم . فاليونان، بدلُ الشيطان، قالوا بإلهِ الشِعرِ،ونادوا ربّةَ الوحيِ عونا ً لتكونَ القصيدة. وشعراءٌ معاصرونَ كثيرونَ من حضاراتٍ مختلفةٍ يؤكدونَ حضورَ القصيدةِ دونَ اختياراتهم الواعيةِ. فمن حضارتنا ربما كان خليلُ حاوي أحدُ أفضلِ الذين عبّروا عن ذلك بقوله مخاطبا الشِعر: "يا مَـن حضرتَ وكنتَ لي ضيفا ً على غيرِ انتظار". وكان المكسيكي أوكتافيو باث (نوبل 1990) قال  في قصيدته  "كتابة" :

 

مَـنْ يا تُرى يُرشدُ هذا القلم

وهو يكتبُ في ساعاتِ الوحدة؟

لمنْ يكتبُ هذا الذي يكتبُ بواسطتي؟

 

وقبلَ ان نتابعَ الحديث أليسَ علينا ان نتساءلَ: "ما الوحيُ؟" كتبَ المعلّمُ بطرس البستاني في "محيطِ المحيط": وحى وحياً : اشارَ . ووحى اللهُ في قلبهِ ألهمه. الوحيُ إعلامٌ في خفاء. الوحيُ كلّ ما دللتَ به من كتابةٍ أو اشارةٍ أو رسالةٍ فهو وحيٌ. والقتلُ بالسيفِ أوحى أي اسرع. يستدلُّ مما قالهُ البستاني انَّ من خصائصِ الوحيِ الإلهامُ المباشرُ، والسريعُ، والخفيُّ. وهذه تجربةُ الشاعر. تأتيكَ القصيدةُ فجأةً أي بسرعةِ البرق. لحظةٌ من قبل ولم يكنْ ثمة شىء. لحظةٌ بعدها والقصيدةُ تحدقُ فيك بعينين مفتوحتين.

 

الوحيَ طاقةٌ خفيّةٌ تأتيكَ لوناً، فكرةً، نغماّ، وتأتيكَ دونَ ان تعرفَ معرفةً عقلانيةً واضحةً مصدرها ولا وسيلةَ وصولها اليك. ولكنْ ما أنْ تأتيك حتى تتبدّلَ. الوحيُ باختصارٍ هو الذي يبدّلُ  الانسانَ فينقله من وجوده الرتيبِ الظاهرِ الذي لا يختبرُ الا ما تنقله الحواسُ الى وجودٍ يحملُ ما لمْ يعرفْه من قبل. كأن تُفتحَ له كُـوّةٌ  يطلُّ منها على وعيٍ جديدٍ لجوانبَ الحياة. تأتيه لحظةٌ تحملُ ثقلا ً تحوّلُ عواطفَه وأفكارَه وما انْ توشوشَ في اذنِه شيئا حتى تزيل غشاوةً عن عينيه وتبدّلُ نظرته الى الأشياء. الوحيُ هاتفٌ يقول للشاعرِ ان الحياةَ برمّتِها تُختصرُ في وجهِ الحبيبِ فيكتبُ قصيدةَ غزلٍ ويكثّفُ العشقَ في كلمةٍ. وعندما يكتبُ عن الطبيعةِ على طريقةِ الرومنطيقين تصيرُ الطبيعةُ هي الحياة وخريرُ النهرِ حوارٌ بين الأرضِ والسماء. واذا تناولَ الوطنَ يصيرُ الوطنُ معادلا ً للحياة. هكذا ينتقلُ بنا على موشورٍ افقيٍّ من الموضوعاتِ مشيرا ً الى جوانبَ متعددةٍ من وجوهِ الحياةِ  وعلاقاتِها اللامتناهيةِ كما يراها. ومع كلِّ قصيدةٍ جديدةٍ يختبرُ تحولاتٍ جوانيةً. الوحيُ هو عاملُ هذا التحولاتِ الذي يحملُ القصيدة. ما أنْ يأتيَ الوحيُ الى شاعرٍ حتى يكتبَ قصيدة.والقصيدةُ ولادةُ شىءٍ آخرٍ لم يكنْ من قبلٍ فهيَ، بمعنىً من المعاني، وجودٌ جديدٌ يطلُّ علي الشاعر. وبهذا الوجودِ الجديدِ، يصلكُ الشاعرُ في تعبيرٍ نبيلٍ جميلٍ بالحياةِ ويكشفُ لك عن جوانبَ كانت خفيّة لناظريك. ينقلُ لك حالةَ قلقٍ، او حالةَ فرحٍ ولكنه في الوقتِ نفسِه يقولُ لك هذه هي عندي كل الحياة. لحظةُ الفرحِ بوجودِ المرأةِ غزلٌ ولكنها لحظةٌ هاربةٌ يجمّدُها الشاعرُ في قصيدةٍ ليتحدّى بها الزوال. وهكذا في كلِّ موضوعٍ يتناولُه الشعرُ تجدُ الحياةَ على تعدّدِ مشاربها ولحظاتها.

 

ولكنَّ وحي الشاعر غيرُ وحيِ النبي. غايةُ الشاعرُ ان يصلك بالحياة، ان يقول لك عن تحولاته الجوانية وهو يعيشها. وغاية النبي ان يصلَكَ بالألوهةِ، أن يخبرَكَ عن تحوّلاتهِ الداخليةِ التي وصلتْه بالألوهة. ربما تنتقلُ مع الشاعرِ من حالاتِ الفرحِ الى الكآبةِ ولكنْ تظلّ على المستوى الأفقيِّ نفسه. وحيُ النبي تبدّلٌ جذريٌّ في الكيانِ يرتفعُ ليصِلَكَ بحركةٍ عاموديةٍ، بل لولبيةٍ، بالألوهةِ. من هنا وحيُ الشاعرِ ابن الزمان.

 

صحيحٌ انَّ القصيدةَ باقيةٌ، تبدو انها تتحدى الزمانَ، لكنها مِن معدنِه. أما وحيُ  النبي فكلامٌ معدنُه نورانيٌّ يبدّلُ فيك الكيانَ لا النظرةَ فقط. الشاعرُ يقول لك ما اختبرَه في الحياةِ والنبيُّ يقولُ لك ما يشيرُ نحو الطريقِ ليعيدَ ما انقطعَ بينك وبين الوجودِ كلِّه من وصال. الشاعرُ لا يعمدُ الى تحويلِك أما النبيُّ فغايتُه انْ تشاركَه الرحلةَ الى قدسِ الأقداس. ولكنْ  لا وسيلة للشاعرِ كما للنبيّ، الا اللغة الجميلة.  وللغة طاقة جبارة على تحويلنا. يبدو احيانا اننا نتعثرُ لكننا ما انْ نتوقفَ حتى نعودَ اشدُّ بأسا وأصلبُ عودا. انه السحرُ الكامنُ في لغةِ الشاعرِ ولغةِ النبي.

 

ما السحرُ؟ انه ضربٌ من الخدعة. والخدعةُ هنا في كلامِ الشاعرِ كما في كلامِ النبي تكمنُ في تحميلِ الكلمةِ ما لمْ تعرفْه من قبل. كلاهما يطلي  نحاسَ الكلمة بالفضةِ او الذهبِ، أو يرصّعُها بالأحجارِ الكريمةِ فتلبسُ لمعاناً لم تعرفْه.  

 

مع الوحيِ يتحولُ الشاعرُ. مع قراءةِ الشِعرِ يتحولُ القارىءُ. وهنا يكمنُ السحرُ. تحملُ الكلماتُ طاقةً تحوّلُ القارىءُ وتبدّلُ نظرتَه الى الأشياءِ. ونحنُ لا نستطيعُ ان نحيطَ بأسرارِ هذه  التحولاتِ الجوانيةِ الداخليةِ التي تصيبُ القارىء.نحاولُ ان نعرفَ اسبابَها فنعودُ خائبين. ولو أدركنا اسبابها لغابَ السحرُ وصار علماً.

 

          ان قراءتنا لنصِّ الشاعرِ تحولنا كما قراءتنا لنصِّ النبي. . في قراءتنا لنصِّ الشعرِ تحولاتٌ دائمةٌ لكنها لا تطالُ منك سوى الشعورَ والفكرَ . مهما تبدلت تبقى على الأفقِ نفسه في دورانٍ يصعدُ او يهبطُ ولكنه لا يطالُ منك الجوهرَ.  بعد قراءةِ القصيدةِ لا يمكنُ ان تظلَّ كما كنتَ قبلها. هذا هو السحر.

 

اما التحوّلُ الذي يصيبُك بعد قراءةِ النصِّ الدينيِّ فهو سحرٌ يحولّك من الدورانِ على الأفقِ نفسه الى صعودٍ عاموديٍّ يبدلُ منك الكيان. فاذا أحسنتَ قراءة النصِّ النبويِّ ترتفعُ ارتفاعا لولبياً في سلّمِ الوجود. وهنا السحرُ الذي يرفعُك ويضىءُ لكَ ما كانَ مظلماً ويروحن ما بدا جمادا. باختصار الشِعرُ وحيٌ في كتابته وسحرٌ في قراءته. ومن له بصيرةٌ فليرَ.