لا
أعرف بالتأكيد لماذا اطلق العرب على صدر السطر الشعري وعجزه اسم
"البيت". لكنّي أعرف ان الأسماء في اللغات، خصوصا في العربية، لا تلقى
عبثا. ان ثمـّـة علاقة وجودية بين الإسم والمـسـمّى. فما بعض معالم هذا
العلاقة بين البيت الشعري والبيت الذي نسـكنه؟
شكل
القصيدة بناء معماري. كما يعمد البــنَّـاء الى تشـييد الجدار حجرا ً
حجرا ً كذلك يبني الشاعر قصيدته كلمة كلمة وبيتا ً بيتا ً.
عندما
يبدأ الإنسان ببناء بيت يسكنه يختار اولا ً مكانا . هذا المكان نقطة في
المساحة تبدو ثابتة لكنها متحركة، تبدو قائمة بذاتها لكنها على ارتباط
وثيق بكلِّ ما حولها من مساحة. ترتبط بالجهات من حيث طلوع الشــمـــس
وغروبها ، بالرياح من حيث هبوبها واستكانتها، بالمطر، بالغابات، بالجبال
حتى بالنحوم والمجرات. هكذا القصيدة ايضا ً تبدو بناءً قائما ً بذاته
لكنها على ارتباط وثيق بكل التراث الذي أبدعها. تظهر في نقطة من الزمان
،في لحظة ابداع الشـــاعر لها لكنها ترتبط بكلِّ ما جاء في التراث الشعري
قبلها لا في لغتها فحسب بل في لغات العالم كلـّها.
ليس
كلُّ بناء بيتا َ وليست كلُّ قصيدة شِــعرا ً. البيت مَسكَن والبناء
الذي لا يصلح لسكن الإنسان لا يستحق أن ندعوه بيتا ً. فالبيت مكان يلتجئ
اليه الإنسـان هربا ً من أخطار الطبيعة أو من الأخطار التي يسببها
الإنســــــــان لأخيه. والقصيدة ملجأ أيضا ً. عند هبوب عواصف العواطف أو
عند زلزلة الكيان يلتجئ الشاعر الى القصيدة. قديما ً ســمّى العرب المكان
الذي تحفظ فيه أموال الدولة "بيت المال". بهذا المعنى يكون البيت
الشِـعري المكان الذي تحفظ فيه التجربة. أراد الشــــــــاعر ان يحمي
تجربته من الضياع والإندثار فبنى لها القصيدة بيتا ُ ومأوى.
قد
يكون البيت واهــــيا ً كبيت العنكبوت او متينا ً كحصنٍ من قلاع
المحاربين. والقصيدة أيضا قد تكون بيت عنكبوت تهتزّ وتندثر من قراءة
اولى أو قد تكون حصنا ً منيعا ً تعاند الأيام ، تتحدَّى التاريخ وتقاوم، مع
كل
قراءة
جديدة، الأندحار والزوال. وكما البيت الذي لا نســـكنه تبهت ألوانه،
تـتـشقق جدرانه، يصدأ حديده وينهار، كذلك القصيدة التي لا نعاود قراءتها.
تقيم بيننا فترة، ثم تصدأ كما الحديد، تبهت ألوانها، نختفي وتزول.
في
اللغة عندما نقول : "بات فلان لـَـيلـَـته عند صديقه" نعني ان الليل أدركه
عند صـديقه فصـرف الليل في مأمن عنده. هـكذا أيضا ً "نَـبـِيـت" في
القصيدة. نكتبها هربا ً من اسوداد الوجود حـولنا. من هنا القصيدة ضوء
يُـنير تجربة الشــاعر.
عندما
نبني بيتا ً نترك فيه شيئا ً من ذواتنا، من طريقة حياتنا، من اسلوبنا
وطاقتنا. كذلك الحال ايضا ً عندما نكتب قصيدة. نترك فيها شيئا ً من
ذواتنا. نبني البيت لنعود اليه بعد تعب النهار لنستريح. وكثيرا ً ما
نستريح بعد كتابة القصيدة وكأن هـمَّـا زال عــنّـا. وأحيانا ً نرمِّم
أحزاننا وانكساراتنا، خيباتنا ويأســنا لا بكتابة القصيدة فحسب بل
بقراءتها أيضا.
أن
تسير في شارع يشــبه أن تقرأ مجموعة شــــعرية. تختلف الأبنية في
أحجامها بين المتعددة الطبقات وذات الطبقة الواحدة وهكذا تختلف القصائد
في أحجامها بين القصيدة الطويلـــة والقــصيرة. وكما تختلف الأبنيــة
في مداخلها ونوافذها، في أبوابـها وشـــرفاتها، في جدرانها وألـوانها،
كذلك القصائد أيضا. لكل شـــاعر، كما لكل مهندس معماري، ذوقــه
وطريقته، نظرته وثقافته، مؤثراته واتجاهاته.
في
القصيدة، كما في البناء، تبحث عن مكامن الجمال تظنّ انك تكتـشـفه في
التفاصيل. في القصيدة تحاول ان تراه في الصورة الشِــــعرية، في
التشـابيه والاستعارات، في المعاني والمجازات، في الشكل والمعنى وفي ترابط
هذه كلها وتشابكها. في البناء تحاول التقاطه في تفاصيل النوافذ
والأبواب، في شكل القناطر، أو في زخرفة الجدران وألوانها. لكنك لا في
القصيدة ولا في البناء تستطيع ان تحدد الجمال. أمام البيت الشعري وأمام
البيت الذي تسكنه تظل مدهوشا ً. هنا وهناك تـختبر الجمال شعورا مباشرا
يرفعك لكنك لا تستطيع وصفه لكنك تعيشه، تتمتع به مثل عطور الحقول، مثل
حضور الحبيب، لكنك لا تستطيع ان تعقلنه او تنقله الى الآخرين.
باختصار، الجمال في القصيدة كما في البناء ســـرّ يحمل معه السعادة
والفرح. هذا ســرّ لا يكتشفه العقل بل الذوق، لا يعرفه الفكر بل الحدس.